الأقلية العراقية في العراق

لو باشرنا باحصاء سكان للهويات والانتماءات في البلاد ماذا ستكون النتائج، اعتقد انها كارثية وتتطابق الى حد كبير مع واقعنا الشنيع الذي نحن فيه.
ان سر دمار البلاد اليوم ينجلي بعدم وجود عراقي واحد في مجلس النواب وفي الكتل والتيارات والاحزاب السياسية وفي طبقة رجال الدين مزدوجي الهوية. ان جميع الموجودين إما ينتمي للهوية القومية العربية فيقدمها ويفضلها على الهوية العراقية وكأنه عميل للعرب بصفة شرعية ومقبولة من الكل فهل نسمي هذا عراقياً. واما ينتمي لهوية الامة الاسلامية ويقدسها ويفضلها على الهوية العراقية وكأنه جاسوس بنحو شرعي وقانوني ويفتخر الناس به ويشيدون باختياره للعظيم والعالمي ورفضه الاختيار التافه والمحلي والصغير، فهل نسمي هذا عراقياً؟
هذا الكلام عن الحكام والنواب ورجال الدين وطبقة السياسيين اما الاعم الاغلب من (الشعب) فهو يفضل الانتماء للمذهب والطائفة والعرق أكثر من عراقيته ، ولا نتكلم عن الاكراد خاصة الساسة الذين حسموا هويتهم ورفضوا انتماءهم للعراق واكتفوا بالهوية القومية كمصدر لوجودهم في الماضي والحاضر والمستقبل. هذا الانفصام العقلي للهوية هو من شجع دعاة التقسيم الى الظهور العلني والتصريح بوقاحة وجرأة الى تفسيخ البلاد حسب القومية والطائفية، والسبب هو قلة وجود العراقيين، الذين صاروا مجرد أقلية في بلادهم، وكل من يقول من السنة والشيعة والاكراد أنه مهمش كذاب ابن سطعش كذاب، الان المهمش الوحيد هم الأقلية العراقية، الذين بقوا متشبثين بالهوية الوطنية لكنهم ضعفاء ولا يسمع صراخهم احد في الداخل والخارج. هذه الاقلية تشبه الى حد كبير أقلية المسيحيين والايزيديين والمندائيين وبقية الهويات الصغيرة التي على وشك الاندثار بعدما هاجر الكثير منهم ولم يبقَ في معابدهم وبيوتهم الموحشة والمهدمة سوى نعيق فرسان الهويات القاتلة. وسوف تفرغ البلاد من العراقيين وتبقى لاصحاب العقائد الملثمة والمسلحة من الهويات القومية والطائفية ممن يحتقر إرث العراق الحضاري ويتمنى تهديمه واندثاره فلا يبقى سوى آثار العرب والمسلمين والاكراد، لهذا نراهم لم يهتموا بل فرحوا عندما فجر الارهابيون من داعش آثار نينوى وطمس معالمها لتبقى معالم العرب والاسلام فقط ،واصحاب العقائد هؤلاء يتلقون الدعم والتشجيع والمباركة من كل دول الجوار التي تسعى للانتقام من بلادنا وحضاراتها القديمة لشعورها بالنقص التاريخي والروحي ولوجود ثارات مترسبة في العقل الجمعي لشعوبها على شكل هزائم حروب وانتكاسات فكرية وادبية وفنية. لم ارَ دول جوار تحب العراق منذ الازل وحتى اليوم لكن المفارقة القاتلة هو ان اكثر الناس حقداً هم سكان العراق من اصحاب الهويات القاتلة بشقيها القومي والديني، وهم يحاولون بكل جهادهم تمزيق خارطة البلاد الى ولايات صغيرة حقيرة تابعة وخاصعة لدول الجوار فلم يبقَ من يدافع عن البلاد سوى الاقلية العراقية وهي اليوم تدافع عن وجودها من الانقراض.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة