تظاهرات الجيل اليافع ومساعي الفاسدين لكسرها

صادق الازرقي *

اقول تظاهرات الجيل الفتي لأن اغلب المشاركين فيها لم يتجاوزوا العشرينيات من اعمارهم اي ان معظمهم كان بعمر اربعة اعوام او ستة و بعضهم كان بعمر العاشرة عندما سقط النظام المباد؛ وبرغم ان اجيالنا الاقدم شاركوا في التظاهرات اعتماداً على وعيهم السياسي المبكر وبعض الخبرة السابقة التي امتلكوها في عقود سبقت، فان احتجاجات العراقيين الحالية هي ثورة للجيل الفتي بامتياز.
ولأنها كذلك، فإنها فرصة كبيرة لإعادة احياء العراق الذي تهدم، وكنا على وشك فقدان أي بارقة أمل للإنقاذ والخلاص بعد ان رأينا كيف خرب السياسيون المجتمع العراقي بعد ان اتخم تخريبا في ظل حكم صدام حسين، وكنا نأمل بعد اسقاطه ان نتخلص من أوجاعه لنبني حياة جديدة، ولكن مصالح معظم السياسيين الشخصية وسعيهم المحموم لسرقة ثروات الناس و املاكهم العامة والخاصة افقدت البلد بوصلته وادخلته في مأزق كان عصياً علينا ان نشهد فكاكاً منه؛ فقد لعب السياسيون على وتر الاختلاف الديني والطائفي والقومي، واغتنوا بسبب توجيه البوصلة نحو ذلك الاتجاه، في حين ظلت عامة الشعب من شتى الاديان والطوائف والقوميات ترسف في الفقر والموت اليومي وانعدام أي امل بالنجاة.
لقد سبق انبثاق التظاهرات العراقية التي اشعلت فتيلها انتفاضة البصرة العفوية من اجل الكهرباء والخدمات نزيف هجرة جديد يضاف الى افواج الهجرات والموت العراقي طال هذه المرة الشباب بالأعمار التي عنيناها الذين حاولت افواج منهم في الآونة الاخيرة اجتراح آلام السفر والوصول الى شواطئ دول اخرى منها اليونان؛ وقد غرق بعضهم في اماكن عدة وكعادتهم لم يفعل المسؤولون الذين يقولون ان الشعب انتخبهم أي شيء لإيقاف مسلسل الهجرة الجديدة، ولربما تصور البعض منهم ان الساحة ستكون فارغة لسرقاته بعد ان يتخلص من الشباب!.. ففقدنا الامل وداخلنا اليأس من جديد. ..الى ان انقذتنا انتفاضة الشباب.
ان التظاهرات التي وحدت الجميع وصهرتهم في بوتقة المطالب الشعبية فرصة كبيرة للقفز على الآلام واجتيازها واستعادة الروح العراقية التي كنا على وشك ان نيأس من استعادتها.
لقد سارع الفاسدون لاسيما بعد اذعان الحكومة لمطالب الاحتجاجات، وقيامها ببعض الاصلاحات العاجلة الى التخطيط لقتل الانتفاضة وكسر التظاهرات، ورأينا كيف ان اكثر من جهة حاولت ركوب الموجة والاستئثار بقيادة التظاهرات بعد ان شاهدوا النتائج المذهلة لصوت الشعب ومطالبته بحقوقه، وبرغم تلك المحاولات فان سمات الاحتجاجات ظلت كما هي مدنية سلمية تمارس حقها في التعبير عن رأيها بوعي وانضباط ومسؤولية، اعقب ذلك التخطيط لاختراق التظاهرات بالمندسين والمخربين وهو ما جرى في تظاهرات الجمعة الماضية برغم فشلهم واصرار المتظاهرين على سلميتهم ومدنيتهم.
لقد لاحظ المراقبون جملة امور غريبة حدثت قبيل وابّان التظاهرات التي شهدها يوم الجمعة الماضية اذ كان واضحاً للعيان دخول عناصر غريبة بعجلاتهم قبل الشروع في التظاهرات وهم على قلتهم قياساً الى التحرك الشعبي العارم الا ان تدخلهم كان مقلقاً وحاولوا استدراج المتظاهرين للخروج عن سلميتهم وهو ما لم يحدث؛ وقد كشفت قيادة عمليات بغداد، بعد يوم من تظاهرات الجمعة أي السبت ، عن اعتقال عدد من الأشخاص هاجموا المتظاهرين في ساحة التحرير وسط بغداد يوم الجمعة، وفي كربلاء اثارت سيارة كبيرة تواجدت امام مبنى محافظة كربلاء قبيل تظاهرة الجمعة استغراب المتظاهرين اذ تسبب تواجدها بخروج التظاهرات عن مسارها الحقيقي، فيما كشف عضو مجلس محافظة كربلاء زهير ابو دكة، في حديث صحفي عن ان « نحو 20 حافلة كانت متوقفة بالقرب من غرفة تجارة كربلاء التي تبعد اقل من 200 متر عن موقع التظاهرة، اوصلت مجموعة من المندسين الى تظاهرة يوم الجمعة الماضية وقامت بنقلهم بعد انتهاء التظاهرة»، من جهته أعلن محافظ كربلاء عقيل الطريحي عن اعتقال عشرة مندسين حاولوا اثارة الشغب في التظاهرات التي انطلقت الجمعة.
وفي الفاو في محافظة البصرة اعلنت قائممقاميتها، عن مقتل متظاهر وإصابة آخر نتيجة مشاجرة حدثت خلال تظاهرة قرب موقع ميناء الفاو الكبير طالب المشاركون فيها من أبناء القضاء بتشغيلهم في شركة كورية تتولى إنشاء كاسر (حاجز) أمواج في موقع الميناء فيما أفاد مصدر امني مساء السبت باعتقال خمسة أشخاص اتهموا بقتل المتظاهر وجرح آخر.
يقينا ان الفاسدين لن يسكتوا، لاسيما مع تواصل التظاهرات وتصاعد المطالب ومنها الدعوة الى تغيير القضاء، اذ ان مجيء قضاة جدد يفتح المجال لاستدعاء ومحاكمة الفاسدين بحيادية ومن دون ضغوطات، بعد ان حاول السياسيون المفسدون تكريس علاقاتهم مع معظم طاقم القضاء الحالي، الذي لم يتحرك طيلة السنوات الماضية بصورة جدية لمتابعة الفاسدين واستدعائهم وادانة من تثبت عليهم التهم واشهار اسمائهم؛ فظلت اموال البلد تنهب من دون محاسبة وهربت مئات المليارات من الدولارات الى الخارج وتواصل الاستيلاء على الاراضي في الوقت الذي حرم الناس من السكن، وازداد الفقراء فقراً و زادت معدلات الفقر، واستبيح البلد من «داعش» وتواصلت التفجيرات التي يربط كثير من المراقبين الأخيرة منها بمساعي القضاء على التظاهرات وبمحاولات دول مجاورة لإدامة خراب الوضع العراقي، و جرى وأد صوت الحق العراقي الذي كنا على وشك ان نفقد آخر بريق امل له الى ان انبثقت الاحتجاجات، ويظهر ان الطبقة السياسية فوجئت بنقاء التظاهرات وحيويتها ووحدتها التي ستكون في ما لو جرى استغلال الفرصة ورعايتها سبيلاً للفكاك من ربقة الوضع الشاذ الذي اوقعنا فيه سياسيو الغفلة، وعندها ستكون تلك التظاهرات باباً لاستعادة روح المواطنة والقيم الانسانية الاصيلة التي غيبها الفاسدون بشتى انتماءاتهم الدينية والطائفية والقومية.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة