الجسر

مصر- سامي صبير:

حين توقفت الحافلة، حدق إلى جانب الطريق في ارتياح، كان يحسب أن وصوله يعني نهاية الصداع، وها هو يتذكر علبة السجائر الدائمة.. عيناه تبدوان جاحظتان من خلف نظارة طبية، شعر رأسه وذقنه أسود غير مرتب، كان الفتى قصير القامة، تظهر على ملامحه آثار المعاناة من الجلوس الطويل على مقعد مهترء.. مظهره يليق بسائح عابر. فلم يكن في المكان شيء يجذبه للبقاء.
كانت الحافلة قد وصلت قبل منتصف النهار بنصف ساعة، وأحس بسكان البلدة يراقبون تحركاته بعيون ملؤها البؤس والاستغراب.. زحفت عيناه تطارد المركبة البيضاء وهي تغادر المكان، وما إن غابت عن عينيه حتى انحدر جهة اليسار، ودخل دكانا عرضها لا يتجاوز المترين. متر شغله جسد الرجل المكنز فوق كرسي خشبي وضع أمام طاولة كريهة، ومتر كدست فيه صناديق خشبية لعلها كانت تحمل مواد مهربة، أو منتهية الصلاحية .
شعر صاحب الدكان بدخول الفتى، فرمقه بنظرة بطيئة دون أن يتحرك من مكانه، ثم سأله:
– ماذا تطلب؟
أجاب الفتى في تردد، بعدما تجولت عيناه في المكان:
– علبة سجائر صفراء
حرك الرجل جسده، وأخرج علبة السجائر من الدرج أسفل الطاولة، وقال:
– 75 سنت.
أخذ الفتى العلبة وانصرف.. كانت الحياة شبه متوقفة في البلدة.. ظل يتمشى ببطء في الشارع الوحيد هناك.. رأى لافتة مقهى في أخر الزاوية، قصد إليها وجلس على مقعد ليستريح من تعب الرحلة في انتظار مواصلة الطريق.. سحب من جيب الحقيبة المعلقة على كتفه العلبة، ووضع سجارة في فمه.. عندئذ تحولت كل الأنظار إليه وهو يشعل السيجارة.. لم يكن في المقهى العديد من الأشخاص، كانت الطاولات مبعثرة في الصالة بشكل عشوائي.. على الطاولة المجاورة يجلس شخص يظهر من ملامحه أنه من الغجر المهاجرين إلى المنطقة.. شعر بنظرات العجوز تراقبه وكأنه يحاول اختلاق الحديث، سأله:
– أتريد الذهاب إلى الجسر؟
تحولت عينا الفتى إليه وأجاب:
– أي جسر؟
– الجسر في طرف المدينة.. ألست سائحا عابر؟
– بلى
– إذا لابد أن تزور الجسر
في تلك اللحظة اقترب النادل وتمتم في أذن الفتى:
– يدعونه إسبيروا المجنون
رفع العجوز رأسه، وابتسم في سذاجة وكأنه يعلم ما يتمتم به النادل.. كان إسبيروا قد بلغ الستين قبل 3 أشهر من الآن، وكان معروفا بمشيته العرجاء و إدمان الخمور الرخيصة
وأردف إسبيروا بعد صمت قليل:
– لقد اعتدت على أن ينعتني الجميع بالجنون، لذلك أرجوك لا تصدق كل ما يقال
نظر العابر إليه طويلا، ثم سأل: ماذا سيهمك ما أقول؟ فأنا مجرد عابر لن يفكر بالعودة إلى هذا الجحيم
– لأنك لن ترى الجسر حينها
– وبماذا سيهمني أمر الجسر هو الأخر؟
– إن كل الأمر يتعلق بالجسر
تنهد واستطرد في هدوء، عشرون سنة فترة طويلة للانتظار.. لقد كنت واثقا من أنك ستكون مختلفا عن الآخرين، ولذلك صارحتك بحقيقة الجسر
نظر إليه العابر وقال:
– لم تكن ثمة ضرورة لتذكر لي كل هذا، فأنت لم تسمع رأيي فيك بعد
وابتسم العجوز في سخرية وقال:
– يكفي أن تكون عابرا غريب، وألا تخفي عادتك عن الآخرين
أحس الفتى بدوامة من علامات الاستفهام تحوم حول رأسه.. لم يكن قادرا على فهم ما يقول هذا الشخص، أخرج سجارة في لا مبالاة وأردف:
– أترغب في التدخين؟
أخذ إسبيروا اللفافة، ووضعها بين شفتيه المتشققتين دون أن يشعلها، وجلس يتأمل حياته.. فترات متشابهة ونفس الوجوه والأشخاص، كانت كلها متشابهة، ومع أن هذه الأشياء وقعت طيلة أربعين سنة، لم تكن تحتاج إلا لعشر دقائق لتذكر تفاصيلها المملة.
كان قد قرر وضع حد لحياته قبل عشرين سنة من الآن، عندما أخذ بنصيحة شخصية رواية لا يتذكر عنوانها عمن يعيشون بعد الأربعين، إنهم الحمقى والأفراد الذين لا قيمة لهم. وهكذا شرع في وضع تقييم لخلاصته الأخيرة، وكيف سيفهم جسره الخاص، كان قد أخذ يفكر في مصارحة الآخرين، لكن شيئا ما بداخله يمنعه من ذلك ويخجله، وكان يعود في كل مرة إلى التشكيك في فهمهم للجسر، حتى ينتابه شعور بالاشمئزاز أدرك معه بشكل غريب، أن الفتى لن يفهم الجسر.
نهض العجوز واقفا، ومشى نحو الباب.. سأله الفتى :
– إلى أين؟
– إلى الجسر، سأذهب لأختار
وانصرف، دون أن يلتفت.. لم ينظر وراءه.. وقف هناك وأخذ يتأمل نفسه، وقال:
– عشرون سنة هي كل ما في الأمر
صعد فوق الجسر، ثم قفز وهوى نحو الأسفل ومات دون أن يصرخ.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة