الكاتب الياباني سوسِكي وآلام الحداثة

سوريا – علي كنعان:

كتب ناتسوميه سوسِكي رائعته الروائية كوكورو Kokoro في 1914، قبل وفاته بسنتين، وقد رحل مبكرا وهو في التاسعة والأربعين من عمره. ويعد هذا الكاتب بلا جدال رائد الرواية اليابانية الحديثة، حتى إن معظم النقاد والباحثين يعتبرونه أعظم روائي ياباني في القرن العشرين، وله مكانة مرموقة جدا في اليابان كلها إلى درجة أن صورته ظلت عشرين سنة مطبوعة على العملة الورقية اليابانية من ذات الألف ين، تتداولها ملايين الأيدي كل يوم، بدءا من سنة 1984 حتى 2004. ومرة سألت أحد طلاب الجامعة، إن كان قرأ روايات سوسِكي كلها. فأجابني باستغراب: “ألا ترى أني ياباني؟!”

نظير دوستويفسكي
ولد كِنّوسُكِه سنة 1867 في طوكيو، مع مجيء الإمبراطور ميجي، رائد النهضة الحديثة في اليابان وانفتاحها على العالم..
لا يزيد عمر سوسِكي الإبداعي عن عشر سنين ، لكنه استطاع خلال هذه السنوات القليلة أن يترك ثروة أدبية متميزة جعلت اسمه يقترن بأكبر الأسماء العالمية في مجال الإبداع، أمثال: ديستويفسكي وشكسبير. وقد ظل اسمه في طليعة النخبة الأولى من المبدعين طوال القرن العشرين. وفي العام 1968 جرى استطلاع بين خريجي أربع جامعات يابانية حول أهم الروايات اليابانية في إطارها العالمي، فكانت رواية “كوكورو” في المرتبة التالية لرواية ديستويفسكي “الجريمة والعقاب”.
وفي مطلع القرن العشرين أرسلته الحكومة في بعثة دراسية إلى إنجلترا، فلم ينسجم مع الجو الأكاديمي، وكان عزاؤه الوحيد أن يغرق نفسه في القراءة وسعة الاطلاع. كانت هذه التجربة، رغم قسوتها، نقطة انعطاف هامة في حياته. فقد عاد من إنجلترا بعد ثلاث سنوات ليعمل أستاذا للأدب الإنجليزي في الجامعة، لكنه لم يحتمل طويلا هذا العمل، فتفرغ للكتابة في الصحافة اليومية، بدءا من عام 1907، وكان ديستويفسكي قدوته في ذلك. وقبل مرحلة التفرغ كان قد أصدر عملين روائيين، أولهما يعد من الهجائيات الساخرة في الأدب الياباني وعنوانه “أنا قِط”، والثاني “المعلم الصغير” المترجم إلى الإنكليزية بعنوانه الياباني “بوتشان” وهو اللقب الساخر الذي أطلقته الخادمة عليه. والعملان ينهلان من تجربته الخاصة في التدريس.
وتشير الدراسات العديدة عن هذا الرائد إلى أنه كان بارعا في دراسته للأدب الصيني، لا سيما الشعر، منذ أيام الجامعة، حتى إنه كان قادرا على كتابة القصيدة بالصينية “كانشي” كما كتب الهايكو في اليابانية. ولكن تألقه برز وتفرد بكتابة الرواية والقصة القصيرة إلى جانب المقالة النقدية.

ثلاثية أولى
في مستهل تفرغه كتب سوسِكي ثلاثيته الأولى. عنوان الجزء الأول منها “سانشيرو”، وهو اسم الشخصية المحورية فيها: شاب في أوائل العشرينيات من عمره، وهو قادم من منطقة بعيدة إلى طوكيو ليدرس في الجامعة، وفي القطار يلتقي الأستاذ “هيروتا” الذي يوجه انتقادات ساخرة للمجتمع الحديث، ومع ذلك يبدو ساذجا وغير واقعي. وهذا أول عمل روائي للكاتب يشتمل على تحليل عميق لشخصية الانطوائي الذي عزل نفسه عن الواقع المحيط به واستسلم لنزعة أنانية شديدة في أن يجعل من أوهامه مثالا له.
الجزء الثاني من الثلاثية بعنوان “أما بعد”، وبطلها “دايسكي” أكبر من “سانشيرو” بسبع سنين، ويختلف عنه اختلافا كبيرا. إنه شخص واثق من نفسه، وهو أكثر أناقة وذكاء، ويمتاز بشخصية إنسانية محببة. لكنه ميال إلى البطالة والعزلة ويزدري بأن يكون التعليم وسيلة للعمل البيروقراطي، وهذه صفة عامة تكاد تشمل معظم أبطال سوسِكي. إن الكاتب هنا يثير أسئلة عميقة حول طبيعة الفرد وعلاقته بالمجتمع. هناك خلل ما داخل النفس البشرية يشبه العطب في شخوص شكسبير التراجيدية، وهذا العطب يتنامى حتى يؤدي إلى دمار الشخصية، أو يدفعها إلى الخيبة والانكسار في نهاية المطاف.
“البوابة” هي الجزء الأخير في هذه الثلاثية، وتروي قصة رجل أكبر من “دايسكي” بكثير. وهو يشبهه في بعض التصرفات، ونرى أنه ارتكب في شبابه جريمة اختطاف زوجة صديقه الحميم. وهنا أيضا يطرح الكاتب مفهوم الشخصية الانطوائية المعزولة، دافعا إياها إلى نهايتها الخانقة، كنتيجة منطقية لما تعانيه من خلل نفسي.

في الصميم
في عالم سوسِكي الروائي، روايته الأخيرة “كوكورو” Kokoro هي الاهم. هناك كلمتان في اللغة اليابانية بمعنى القلب: “شِنْزو”، ومعناها العضلة القلبية التي تضخ الدم، و”كوكورو” ومعناها: اللب، مركز المشاعر والأفكار أو صميم الأشياء. لذلك نرى أن الذين نقلوا هذه الرواية إلى اللغات الأجنبية حافظوا على عنوانها الياباني. والرواية بلسان المتكلم، لغة البوح والمكاشفة، وهذا يجعلها أشد قربا من قلب القارئ وعقله. إنه يتماهى مع بطليها مباشرة: الأستاذ والطالب. الرواية من ثلاثة فصول: الأستاذ وأنا، والِدايَ وأنا، الأستاذ ووصيته. الراوي في الفصلين الأولين طالب متخرج حديثا من الجامعة، وأبوه يرجو أن يساعده الأستاذ في إيجاد عمل، ولكن دون جدوى. والفصل الثالث يغطي نصف حجم الرواية، وهو عبارة عن رسالة يوجهها الأستاذ إلى الطالب، ويوضح له فيها جميع الأشياء التي كانت تبدو غامضة أو غير مفهومة خلال لقاءاتهما وأحاديثهما في الفصل الأول. والرواية بلا أسماء. هناك طالب يلتقي أستاذا انطوائيا لا يمارس أي عمل ويخاطبه الطالب بصفته “سِنسِيه”، ومعناها: أستاذ أو معلم.
ونرى هنا أن سوسكي يطرح، ولو بطريقة غير مباشرة، المبدأ الكونفوشيوسي الملتزم بضرورة إحسان الأبناء للوالدين، واصفا التخلي عن هذا الإحسان بأنه خيانة أو وصمة عار خلقي.

الحداثة المدمرة
إن الكاتب يوحي بطريقة غير مباشرة أن الحداثة التي اقتحمت بلاده كانت وراء تدمير الشخصية اليابانية: لقد دمرت القيم والتقاليد العريقة، ولم تؤسس قيما إنسانية بديلة. إن حالة المجتمع الياباني، من خلال روايات سوسِكي، تشبه أحوال معظم المجتمعات العربية والإسلامية في وقتنا الحاضر: محنة الهوية والقيم. يقول الأب المريض لابنه الذي تخرج من الجامعة ولم يجد عملا بعد: “في أيامنا، كان الأبناء يقومون بإعالة والدهم. أما اليوم، فالأبناء يعيشون إلى الأبد عالة على والديهم”. ويصف هذا الخريج الجامعي نصائح أبيه بأنها “محاضرة!” إن تقليد الغرب لم يكتفِ بتدمير الأسرة والقيم الأصيلة، وإنما جلب معه عدم احترام الأجيال الناشئة لجيل الآباء.
وفي آخر مقالة قبل نزف القرحة المعدية التي أودت بحياته، قدم محاضرة لطلبة النخبة في الجامعة بعنوان “النزعة الفردية” تناول فيها العلاقة بين الحرية الفردية والشعور بالواجب، قائلا: “لا قيمة لتطوير نزعتنا الفردية ما لم نحتفظ بقدر معين من الثقافة الخلقية”. ويضيف: “أعتقد ببساطة أن الحرية من دون حس الواجب لا يمكن أن تكون حرية حقيقية، لأن الحرية التي ينغمس صاحبها في ملذاته الذاتية لا مكان لها في المجتمع”. ويلقي مزيدا من الضوء على موضوعه مبينا أن “فلسفة النزعة الفردية تستعيض عن مبادئ الجماعة بقيم تضع التقدير الشخصي للصواب والغلط هو الأساس في مسألة السلطة والمال”. والرواية تستكشف أشد الزوايا ظلمة في القلب الإنساني، الزوايا التي تتعرض للضوء حين يحطم الجشع المالي الحرية الفردية. ونرى أن الكاتب، في غمار معاناته الشخصية، يشن حربا ضد النفاق في الوسط البيروقراطي، وميل اليابانيين لتقليد الغرب تقليدا أعمى. وهو يستعمل عبارة “تقليد القرود” حرفيا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة