العمل وتجليلته اليعقوبية في سرديات سعد الشلاه

د. أسماء غريب

أن يكون الأبُ مناضلا، فهذا يعني أنه كان صاحب قضية، وقضيته الأساس كانت هي الوطن، والطبقة الكادحة فيه، وهو في هذا تتجلى فيه خصال أهل البيت عليهم السلام، الذين لم يكن الفقر عندهم جريرة ولا نتاج ضنك الحال والعيش، وإنما خرقة عرفانية لبِسَها الأبُ أوّلا ثم ألبَسَهَا لابنه فيما بعد من خلال تربيته على حبّ العمل والعمال، ولا غرابة أن نجد سعدا قد أصبح فيما بعدُ ولمدة سبع سنوات رئيسا لاتحاد عمال محافظة بابل. إذن فالأبُ كان قطبَ ابنه، لا يبخل عليه أبدا بالوصية والنصيحة والحكمة والإرشاد، وهذا ما يبدو جليا، في الجزء الثاني من نصّه الشعري (خيوط الروح)، الذي هو كتابة ثانية لنص (المجرشة) ولكن بحرف الشعر لا القصّ والنثر:
“ذات ليلةٍ
وقبل أن تتجمعَ الدموعُ على لسانِه
حاولَ أبي أن يوصيني
وهو يحلّقُ فى السماء
فانفجرتْ الحروفُ في عينيه كحمم البركان
وغنّى لي … يا ولدي ……

ياااااااااااااااااااااا ولدي… يااااااااااااااااولدي
لا تتحسّرْ على جراحاتٍ عتيقة
فتُحييها … وأنت تموت …
ضمِّد ضميركَ بالجديدِ وعشقِ النخيل
وابحثْ عن كلّ الأسرار
وعن أسعار البترول
اخدشْ، قدر ما استطعتَ وجناتِ الحاكمين
وتشبثْ بأهدابِ الفراشاتِ وهي تحملُ حروفَ اسمك
وابتهل … كما يبتهلُ الندى وعطرُ الياسمين
لا تبخلْ بقلبك ولا بعقلك …
وتمسكْ … ياولدي … بالحبلِ المتين
بالوطنِ وحبِّ الكادحين.”
الآن يبقى السؤال الآخر الذي يلح وبشدة: إذا كان الأبُ قطبَ الابن الظاهر، فمن كان فيهما إمام الآخر؟
وهو سؤال يجرّني إلى القضايا اليوسفية التي سبقَ وطرحتُها في ديوان (كف أمّي)، يبدو جليا، أن العلاقة التي تربط سعد الشلاه بأبيه هي علاقة يعقوبية يوسفية بامتياز. والسيد حمزة (والد الشاعر سعد الشلاه) كنبي الله يعقوب (ع)، كان يوصي دائما أبناءه بالعمل، والسعي في الأرض والدخول من أبوابها المتفرقة والمختلفة، لكن الذي استوعب الدرس منذ طفولته كان يوسف ولا أحد غيره، وإلا لما كان أصبح بأرض مصر وزيرا للزراعة. وسعد كيوسف على الرغم من نسبه الكريم الشريف في قومه فإنه متواضع سمح لا يتعالى على أحد. ولا شيء يشغله سوى ما يمليه عليه واجبُه بالدعوة إلى العمل كطريق للنجاة وتحقيق الأمن والسلم والسلام. هذا العمل الذي أصبح تجليلةَ سعد الأبدية، وتجدهُ ظاهرا في كل نصوصه، وهو نفسه العمل الذي جعل السيد حمزة يعترف بإمامة ابنه سعد عليه أثناء لحظات احتضاره الأخيرة وهو على فراش الموت، فقد كان ينتظره كي يحتضنه ويشمّ ريح قميص العمل فيه ويقول له بصوت المودع العابر إلى ضفاف الرحمة: (الله عم ـ ـ ـ ـ ـ ـبر!)، وهي الكلمة التي لم يستوعبها الابن آنذاك، ولم يرَ فيها أنّ الأبَ قد تنسّم عبير الجنة بين يديه المضمختين بعطر الفقراء، والعمّال.

من التقويض إلى الصرح الجديد

ليست العبرة بكثرة الإخوة، ولا بوجود الأب أو الأم أو الزوجة في حياة كل إنسان، وإنما العبرة بوجود يوسف في جسد كل فرد منّا، صغيرا كان شأنه أو كبيرا، وما يوسفُ أيها القارئ الكريم سوى قلبك، أما عقلك فهو يعقوب، وحواسّكَ الخمسة الظاهرة والأخرى الخمسة الباطنة هي إخوتك الذين يضمرون الحسد والغل والحقد لأخيهم القلب، ما عدا ذاكرتك التي هي أخوك الحادي عشر فإنها لا تحسد قلبك ولا تضمر له شرّا ولا سوءا، وإني لأقصد بالشر هنا انجذاب حواسك هذه بطبيعتها إلى اللذات والمشتهيات فتمنع بذلك عقلك أو يعقوبكَ من تحصيل كمالات القلب من العلوم والأخلاق، لأنها تريدُه أن يغرق معها في اللذة البدنية والحيوانية، أي تريدُ إلقاءه في غيابات الجبّ، أمّا الذئب فهو القوة الغضبية التي إذا ظهرت فيكَ حجبت قلبك عن كل شيء وسولت له فعل كل قبيح وجذبته إلى الأسفل، وبما أنّك أيها القارئ، تنتمي بجسدك إلى الأرض التي وُلدتَ فيها، فإنَّ روحها تتناغم مع كلّ شيء فيك، خيرا كان أم شرا، وهذا يعني أن الكاتب من خلال نصوصه القصصية والشعرية أصبح هو صوت الأرض التي رأى فوق ترابها النور، أمّا والده فهو العراق نفسه: ((أبي / وطني الأخضرُ على الرغم من تعدد الخوذ / ينسكبُ فيَّ حروفَ بهجةٍ وابتكار / يصرفُ ما في جيبهِ ولا يأبهُ للغيب)). أجل العراق الذي يصرخ اليوم في وجه الجميع ويقول لأبنائه جميعا، الذين هم بمثابة الحواس الإحدى عشر التي يحملها كل عراقي بداخله: ما الذي فعلتموه بي، وقد أسقطتم قلبي في غيابات الجبّ وغمرتموهُ بماء الخطيئة، وخرجتْ منكُم الذئاب، وبِتّـُم كلّ يوم تأتونني بقمصان عليها الدّم الكذب؟! وإني لا أجدُ كلمات تؤيّد ما ذهبتُ إليه من ربط سيميائي بين عراق القلب وعراق يوسف، سوى هذه الأبيات التي سبق وقالها الشاعر في جزء من قصيدته (شهقة الجمر):
“يوسف أيها الصديق امنحني من وقتك قسطا
ليشهد شاهد من أهلها
إن كانت رؤيتك قد شغفت الناس حبا
فما تأويل هذا التهالك والبيع بثمن بخس
وعلام هذا الانكسار
عذرا … يوسف أيها الصديق
سأنفخ في الصّور
لتنتفض كل أعمدة المدن المغطاة بالجليد
لتقم القيامة…
لتنتصب القامات
لتكنس كل الأنوات المتورمة
وبقايا الاضطراب
والغرباء حتى عن أرحام أمهاتهم
لا حصانة بعد احتلام
سأنفخ في الصّور
لتعود يوسف إلى وجه أبيك
ليزداد إخوتك كيلا
لتقبل الشمس والقمر
والكواكب الأحد عشر
وتعتلي صهوة عشق الكادحين”
فالأب اليعقوبيّ هنا يتحدث بلسان ابنه، يذكر اسم يوسف القلب بشكل صريح ويسائله ويسأله عمّا فعلهُ به إخوته وسببوه له من انكسار، شرخوا به قلب الكون الكبير، فهل سيفيق يوما إخوة القلب ويرجعون عن غيهم ليعود يوسف إلى وجه إبيهم؟!
هذا هو السؤال الذي لا يمكنني أن أجيب عليه الآن، لأن الجرح أعمق من أيّ سؤال وجواب، ومازال ينزف قصصا وأشعارا قادمة سيتحدث فيها الكاتب عن الألم والوجع العراقي من محيط القلب اليوسفي إلى خليجه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة