الغربة الرمادية

علي صالح جيكور

حينما عبرت النهر الهادر الكبير، هارباً من وطني، كان الجو غائماً، ينث رذاذاً رمادياً، جلست على طين الضفة الأخرى، مرعوباً، خائفاً، حينها عرفت لِمَ يبكِ المولود المفارق لرحم أمه الدافئ، وددت لو أصرخ مثله، آآآآآآآآآه يا عراق، لم أكن أعلم أنك أدفأ من رحم أمي، وأعذب من كف أبي المضمخة برائحة التبغ، حتى جلست مرتعشاً على ضفة الغربة الرمادية الباردة.
من يومها أصبت بعمى الألوان، ولا أعني تمييز اللون الأخضر عن اللون الأزرق، بل أصبحت كل الألوان في عيني المريضة، رمادية. المروج الخضر في المنفى رمادية، الأنهار رمادية، السماء رمادية، الأشجار تورق بالرمادي، الفراشات الرمادية الجميلة تحلق فوق حديقة بيتي الرمادي الكئيب، الشمس رمادية، الويسكي الأشقر الذي شربت سائله الرمادي المنعش، عكر مزاجي الرمادي، صوت حسين نعمة الرمادي يدعوني إلى البكاء، القلب الذي أهدتني إياه زوجتي في عيد الحب رمادي، حروفي التي أكتبها بقلمي الرمادي لا تعبر عن حزني وشجني وأساي، آآآآآآآآآآآآآآآآآه لو تعرفون قتامة هذا اللون اللعين، إنه لون الغربة، غربة الروح التي تتحرق للوطن، كالفراشات الليلية الحائمة حول ضوء الشموع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة