المشلكلات السياسية والفساد وراء تدهور الأمن في العراق

جاسم محمد*

شهدت العاصمة العراقية بغداد وعدد من المحافظات تظاهرات حاشدة مطلع شهر اوغست 2015 احتجاجا على الفساد المالي، والإداري،في حين قرر مجلس النواب استجواب الوزراء المعنيين بالخدمات، وتعهد رئيس الوزراء حيدر العبادي بالإعلان عن خطة شاملة للإصلاح وتنفيذها. وكانت المرجعية الدينية طالبت، يوم7 آب 2015، العبادي بأن يكون أكثر «جرأة وشجاعة» في خطواته الاصلاحية، داعية اياه الى الضرب بيد من حديد على من «يعبث» بأموال الشعب.
وفي اعقاب ذلك، وافق مجلس الوزراء العراقي ثم البرلمان بالإجماع يوم 11 أوغست 2015 على الإصلاحات التي اقترحها رئيس الوزراء حيدر العبادي ضمن جهود مكافحة الفساد في البلاد. كان العبادي قرر إلغاء جميع مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. كما أصدر قرارا آخر يقضي بإلغاء المخصصات الاستثنائية لكل الرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمتقاعدين، فضلا عن تقليص شامل وفوري في أعداد الحمايات لكل المسؤولين في الدولة، وتحويلها إلى وزارتي الدفاع والداخلية، لتدريب وتأهيل عناصر الأمن. وقرر العبادي أيضا إبعاد جميع المناصب العليا عن المحاصصة الحزبية والطائفية.
يرجع تدهور ألامن في العراق الى غياب المقومات الاساسية للامن والدفاع اضافة الى الفساد والتسييس، فلايوجد أمن من دون نظام سياسي مستقر وهذا غير متوفر في الحالة ألعراقية. فمنذ عام 2003 ولحد الان يعيش العراق أحتقان وترحيل الازمات من أجل بقاء ألاطراف ألسياسية في السلطة، فمهما اختلفت هذه ألاطراف تتفق على الاستمرار، والازمة في العراق تزداد تعقيداً. لقد استغل تنظيم (داعش) ضعف قدرات الامن والدفاع، ليشن سلسلة من العمليات وفرض سيطرته على بعض المدن بالكامل منها محافظة نينوى والانبار واجزاء من محافظة كركوك وصلاح الدين وديالى.

عوامل تدهور الامن والاوضاع
العامة في العراق
«البنية»
يعاني العراق من خلل في بنية الدولة والحكومة لتمتد الى اجهزة الامن والدفاع. ألدستور العراقي تم كتابته على عجل وفقا للمحاصصة السياسية للكتل والاحزاب التي تهيمن على المشهد السياسي في العراق ليكون الدستور مصدر خلاف بدلا من ان يكون مرجعا لحل المشكلات مابين الشركاء الفرقاء. اليوم تجد الحكومة نفسها مقيدة وفقا للدستور باتخاذ القرارات، والتي لايمكن اتخاذها الا بحصول ثلثي اعضاء البرلمان وأحيانا اخرى مرتبطة بموافقة رئيس الجمهورية مما يخلق حالة شلل حكومي. قد يكون ذلك ممكنا ان كانت حكومة أغلبية لكن داخل حكومة أئتلاف وتوافق تمثل تحدياً كبيراً وينتج عنها عجز حكومي وظيفي. إن حكومات الأئتلاف معروفة بمشاكل إتخاذ ألقرارات واحيانا لاتستطيع المطاولة الى نهاية الفترة المقررة حتى في اعرق الدول الديمقراطية، فكيف ستكون في حالة العراق . أي ان ألدولة العراقية تعاني من خلل بنيوي يمتد الى الأمن والدفاع. ومايزيد المشكلة تعقيداً هو مطاولة الاطراف المشتركة بالعملية السياسية والأستمرارللتمتع بالأمتيازات على حساب تحقيق أي تطور للمواطن العراقي في شتى المجالات .
لذا ما تقوم به الحكومة من جهود بنقل قادة او وضع خطط قد لايجدي نفعاً، وسوف لا تحل المشكلة الحقيقية وهي البناء الخاطيء، مايحتاجه العراق هو معالجة وليست اصلاحات سطحية. فالمشكلة في العراق اوسع من الاجهزة الامنية والدفاع، لذا لايمكن حلها الا بعد مراجعة الدستور العراقي. أن تبديل الحكومة للخطط الامنية بين حين وحين آخر لم تجدِ نفعاً ليكون الفشل الامني كرة ثلج. إن وضع الخطط يجب أن يتم وفقا للإستراتيجية الأمنية ومنها رسم إستراتيجية الأمن والدفاع. الاجهزة، القيادات الامنية، بشرط أن تخضع للرقابة والمتابعة المركزية وهذا غير متوفر في الحالة العراقية الذي يعيش فوضى عارمة لم تشهدها دول المنطقة.

«الفساد»
تعاني مؤسسات الامن والدفاع في العراق من مشكلة الفساد كما هوالحال في الحكومة والدولة العراقية ويصعد هذا الفساد الى قمة الهرم. المناصب في الامن والدفاع يتم التعامل معها بلغة البورصة التجارية وسوق العملات. كشفت التقارير، بان تجارة المناصب وصلت الى شراء منصب وزير في الدولة العراقية خاصة في المراحل الاولى من تشكيل بعض الحكومات العراقية. الدفاع والداخلية ينظر لهما مصدراً للحصول على الرشاوي والعمولات بسبب ما تتمتع بهما موازنة الامن والدفاع. في هذه الحالة فان من يحصل على المنصب سوف لايكون اميناً ولا وفياً للوطن بقدر ما يسعى إلى حصول الكسب المادي وتحقيق الثراء. فقد شهد العراق العديد من الوزراء واعضاء في البرلمان وقيادات من الخط الاول متورطة في الفساد. وهذه الشريحة عادة تعمل على بناء الثروة وتصديرها للخارج بعيداً عن الرقابة والمتابعة. لتتحول الامن والدفاع الى مجموعات تقاتل بعيدا عن المهنية والدافع الوطني.

النتائج
إن حجم اعداد الجيش والشرطة، اصبحت تمثل ارقاماً احصائية فقط بسبب المحاصصة والدمج. الاحزاب والكتل اتبعت المحاصصة حتى في تعيينات الامن والدفاع، وفقا الى مبدأ الدمج لتتحول الامن والدفاع الى خزان بشري تبحث عن الكسب وميليشيات ماعدا نخبة قليلة من الكفاءات ألتي مازالت تعتز بشرف المهنة، فالولاء تحول للاحزاب وليس للمؤسسة او الوطن. إن خلاص العراقيين من حالة الفوضى والإرهاب لايكون إلا من خلال اعادة كتابة الدستور العراقي من جديد وبحماية حكومة انتقالية يصارالى شرعنتها من داخل البرلمان. اليوم يحصل رئيس الحكومة على تاييد المرجعية الدينية، «آية الله السيستاني» والشارع العراقي بمحاربة و محاسبة الفساد، اي عدم الاكتفاء بالاصلاحات السطحية التي لا تغني الحالة العراقية، برغم مايواجهه العبادي من تحديات وضغوطات من معارضيه. تقديرات المعنيين بالشأن العراقي، لا تستبعد حل الحكومة الحالية بطلب من العبادي وتشكيل حكومة تكنوقراط، انتقالية على غرار حكومة السيسي الانتقالية 2013 للخروج بألعراق من الازمات. الشارع العراقي طلب من العبادي ان يبقى حازماً في اتخاذ القرارات وتطبيقها ومتابعتها أي محاسبة المفسدين بعد تحويلهم الى القضاء وهذا يعني ان التغيير مقبل لامحال في العراق.

*باحث في قضايا الارهاب والاستخبار

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة