التظاهرات.. فرصة التغيير

سلام مكي *

السخونة المفرطة للجو، وتغييب الكهرباء، بقرار رسمي، اوصل الرأي العام العراقي الى درجة الغليان، واستطاع جر الشارع الى فعل، لم يخطر على بال السياسيين يوما. لقد ايقظت حرارة الجو، الشعور بالغبن، من قبل السياسي تجاه المواطن، وهذا الشعور، زرع بذرة الرفض، والتعدي على ما يراه بعض المسؤولين انه مقدس. التراكم السياسي والفكري، لدى الكتل المتنفذة داخل العملية السياسية، والوصول الى حالة يصعب معها اقناعهم بأنهم ليسوا على صواب، برغم المئات من الشواهد التي تنطق يوميا على خطئهم وفداحة تجربتهم التي جردت البلد من خيراته وابنائه في حروب واعمال عنف. اليوم، يستهدف متظاهرون، عزل، يحركهم شعور، ظل مكبوتا طوال عقد كامل، على امل رجوع السلطة الى صوابها، وتستثمر سكوت الشعب، لغرض القيام بأعمال تجنبه المزيد من العنف والدمار، لكن من دون جدوى. في البداية، كانت الكهرباء، واليوم، اصبحت أمراً ثانوياً، اليوم، المستهدف هو الطريق الذي يسير عليه النظام السياسي بأكمله، رموزه التي فاحت رائحة الفساد فيها، الثراء الفاحش والامتيازات الخيالية التي تمنح لأشخاص، لا يقدمون شيئا للدولة، وغيرها الكثير من الملفات والافعال التي أجبرت الشارع على الخروج في تظاهرات واحتجاجات، معلناً، ان صبره نفد، وان زمن الصمت انتهى. الشعب يمارس اليوم حقه في الافصاح عن موقفه تجاه السلطة التي تمارس الحكم نيابة عنه، وله الحق في المطالبة بأي شيء، حتى لو كان النظام نفسه، بغض النظر عن قانونية ودستورية تلك المطالب، يبقى الشعب مالكاص لحق التظاهر، بشرط ان يكون سلمياً. بعد انتهاء التظاهرات الاخيرة، صدرت العديد من التصريحات التي تشيد بها، وتدعو الى التعامل مع مطالب المتظاهرين بجدية، لكن ثمة من طالب بحصر التظاهر بأن يكون للمطالبة بالخدمات فقط، فهي مشروعة، اذا اقتصرت على المطالبة بالخدمات، و الحذر من تحريفها عن اهدافها الخدمية! من خلال قراءة هذا التصريح، نستدل على ان الكتل السياسية، توظف نفوذها الديني والسياسي، في خدمة وجودها داخل العملية السياسية عن طريق ترسيخ وتثبيت ذلك الوجود، واضفاء نوع من المشروعية الدينية على وجودها وعملها، مما يبعدها عن المساءلة القانونية والمحاسبة. تصريح آخر، يرى ان التظاهرات هي محاولة من قبل اطراف غير دينية، لتشويه صورة الحكم الديني! هذان التصريحان، يمكن عدهما اقراراً صريحاً من قبل الاحزاب الدينية الحاكمة، انها لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتنوع الاجتماعي الذي اعترف به الدستور، وتؤمن به المرجعية الدينية في النجف، ان طبيعة الحكم في العراق، لابد ان تكون جامعة لكل المكونات والاطياف التي يتكون منها المجتمع العراقي، ولا يمكن ان تكون بلون واحد هو الدين، ثم ان العملية السياسية تدار من قبل العديد من الاحزاب والكيانات، والاسماء التي تنتمي الى اغلب طوائف المجتمع العراقي، ومسؤولية الفشل الذي منيت به تلك العملية، يشترك بها الجميع. ان الاجراءات السريعة التي اتخذها رئيس الوزراء، والتي جاءت كرد فعل على التظاهرات، وضعت الكتل السياسية في مأزق حقيقي، ومنحته فرصة تاريخية نادرة، لتصحيح الاوضاع الشائكة، ومحاولة وضع الامور في نصابها الصحيح، كما اعطت القضاء والادعاء العام دعماً معنوياً، وجماهيرياً ومرجعياً، لممارسة دوره القانوني في مكافحة الفساد والارهاب، وموقف المرجعية الداعم للتظاهرات والجماهير،ا سهم هو ايضاً، في اضفاء شرعية أخرى، تضاف الى الشرعية الدستورية. الاجراءات المتخذة من قبل مجلس الوزراء، تدل على قوة الشارع العراقي، وامتلاكه الارادة الحقيقية، التي يمكنه ان يقهر بها خصومه من سياسيين فاسدين واحزاب تؤيد وتدعم الفاسدين للبقاء في اماكنهم. ان استمرار التظاهرات بهذا الحجم في اغلب المحافظات العراقية، وتلقيها الدعم من رئيس الوزراء، هو الطريق الاسلم، للضغط على الكتل السياسية للانصياع الى ارادة الشارع، وتحقيق مطالبها التي هي ببساطة، محاسبة الفاسدين وعدم حمايتهم عند مساءلتهم قانونيا، واسناد مهمة الوزارات والمناصب الحكومية الى اشخاص اكفاء. ولكن الكتل والاحزاب، تصر على ان مرشحيها كفوءون ونزيهون، وانهم يصلحون الى المناصب التي رشحوا لها، وهذه القناعة مترسخة لديها، بغض النظر عما قدم من انجازات وعن مدى نجاح وفشل مرشحيهم في ادارتهم للمناصب الوزارية والادارية التي اداروها. ومن يدقق في اختصاصات وزراء الحكومة الحالية، يجد ان اياً منهم، غير مختص في الملف الذي اسندت اليه مهمة ادارته. ان الشرارة التي احدثتها حرارة الجو، سوف لن تنطفئ، وستكبر لتتحول الى شعلة متوهجة، تحرك كل فاسد، وكل مروج للفساد. ان ما حققته التظاهرات، من مكاسب هي بمنزلة اشارة اطلقها رئيس الوزراء، للتحرك باتجاه المطالبة بالمزيد من المكاسب والاصلاحات وعدم التوقف عند حد معين. ان فرصة التغيير، جاءت بسرعة غير متوقعة، وان الحفاظ عليها، يتطلب ادامة المشاعر الرافضة للوضع الحالي، واقناع الشعب، بأن عليه عدم انتخاب الوجوه ذاتها لتي لم تحقق له شيئا. ان اعظم فرصة للتغيير يمكن ان يمنحها رئيس الوزراء، هو الدعوة الى اجراء انتخابات مبكرة، واستثمار مشاعر الغضب ضد الاحزاب الحاكمة، ذلك ان المدة المتبقية على الانتخابات طويلة، ولا يمكن ضمان بقاء هذه المشاعر لذلك الوقت.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة