من هم الفاسدون أذن ؟

علي صابر محمد*

تعالت صيحات العراقيين جراء معاناتهم من سوء الخدمات وبدأ صراخ الجياع والثكالى يصل الى السماء فطاحونة الحرب تلتهم شباب العراق وقسوة التهجير تعصف بعشرات الآلاف من الآمنين وحرارة الصيف تحرق أجساد الكادحين وابن البلد بات ألعوبة تتقاذفه تيارات الفشل والاخفاق والوعود الكاذبة للمسؤولين عن ملفات الخدمات وفي جميع مفاصل الحياة ، والكهرباء مفصل مهم في حياة المواطن بعد الأمن يمتص جزءا كبيراً من موازنة العراق من دون أي تقدم الى الامام وما أنفق عليه أكثر من 60 مليار دولار حسب تصريح وزير التخطيط خلال الفترة من عام 2003 ولحد الآن ولم يتمكن القائمون عليه من زيادة الانتاج بأكثر من 5000 ميكاواط ليصل الانتاج الكلي الى نحو 11000 ميكاواط وحاجة البلد التقديرية نحو 21000 ميكاواط وفي الوقت الذي يعلن بأن السعر العالمي للأنتاج ملياردولار واحد لكل 1000 ميكاواط فالمنفق لا يتناسب مع الناتج ، أذن فأين ذهبت تلك الاموال ومن المسؤول عنها ؟ والأمر من ذلك ان هذه الارقام من المفروض ان تقدم للمواطن ما لا يقل عن 12 ساعة تجهيز يومياً مقابل 12 ساعة قطع ولكن الذي حصل في هذا الصيف القاسي هو عدم وصول التجهيز الى 8 ساعات يومياً ومتقطعة بشكل مزعج فبماذا نفسر هذا الخلل ؟ شاشات التلفاز مستمرة في عرض تصريحات المسؤولين حول انجازاتهم على الورق وأي مؤشر سلبي على نشاطهم يقابل بكيل التهم على الغير ولهذا فان وزارة الكهرباء والنفط يتبادلون التهم فيما بينهم هذا يرجع التلكؤ الى عدم تجهيز وزارة النفط بالوقود لمحطات التوليد والآخر ينفي ويلصق التهم بحق وزارة الكهرباء والضحية هو الشعب المسكين الذي لا حول له ولا قوة وكلاهما يستعين بالارهاب كشماعة لتعليق الاخفاقات عليه ، ولكن وللأنصاف نقول بأن وسائل الاعلام كشفت مراسلات لابرام عقود لتشييد محطات توليد مع شركات وهمية أو مفلسة ، وكذلك استيراد محطات توليد تعمل بالغاز وليس بمقدور العراق توفير الغاز اليها ، وهناك محطات توليد تم بناؤها في مناطق يتعذر ايصال الوقود اليها ، وهناك مولدات تم استيرادها وبسبب الفساد المالي والاداري وبفعل الصراعات السياسية تم ايقاف الصفقة وبقيت المعدات موقوفة في موانيء العراق يأكلها الصدأ من دون ان تدخل الخدمة ويستفاد منها المجتمع ، وشأن ذلك شأن جميع مرافق الجهاز الحكومي عندما يكشف نواب بان السلعة التي تستوردها الهند بمقدار ستة ملايين دولار فان السلعة نفسها تدخل العراق بمبلغ ستة وثلاثين مليون دولار وليس من المستغرب ان يشتري العراق جهاز كشف المتفجرات بمبلغ سبعين مليون دينار للقطعة الواحدة ولا تتعدى كلفتها الحقيقية مائة الف دينار وتتحفنا وسائل الاعلام بانفاق ملايين الدولارات على مشاريع استثمارية ضمن أنجازات وزارات اومحافظات ولكن ليس لها وجود على الارض ، أما الوقت فمعدوم في معايير الدولة فالمشروع الذي يقدر انجازه او التعاقد عليه بسنة واحدة ينجز بما لا يقل عن خمس سنوات وبشكل بائس وعلى هذا المنوال يتم هدر وسرقة المال العام وليس هناك من يسأل أو يحاسب ولم نر فاسدا أحيل الى القضاء وأودع السجن وفضح امام الجماهير وانما يبرأ بقدرة قادر ، والأدهى من ذلك ان الجميع يتكلمون عن الفساد المالي بوصفه الآفة التي تنخر في جسد جهاز الدولة من دون تشخيص من هم الفاسدون وكأن ملائكة النزاهة تحيطهم ببركاتها ورائحة الوطنية تفوح من أفواههم فمن يتحمل مسؤولية هذا الفشل وهذا التدهور الامني والاقتصادي ؟ ومن أوصل البلد الى هذا الدرك الاسفل من التفكك وتمزيق نسيجه الاجتماعي والاحتراب الداخلي ؟ فاذا كانوا يعللون فشلهم بالأرهاب وتعبئة الشارع لمحاربته فلماذا بقيت محافظات الجنوب يأكلها الفقر والتخلف وهي الآمنة والرافضة للأرهاب ورجالها من المتطوعين لمحاربته أستجابة لفتوى المرجعية ؟ ولماذا لم تأخذ السياسيين الغيرة على أبناء شعبهم وهم يرون المحافظات الشمالية تزدهر وتنمو بنحو رائع في حين هم يعيشون وسط النفايات والمستنقعات والخرائب الكبيرة وشبابهم تنهش بهم البطالة وتتفشى بينهم الامراض وبمدن تفتقر لأبسط ملامح التقدم العمراني و الحضاري ؟
لقد آن الاوان لمراجعة واقعنا المرير فالشعب ضاقت به الآلام والمعاناة ونفد صبر الجماهير واستيقظ النيام من غفوتهم وخرجت الجموع الغاضبة الى الشوارع لتعلن رفضها لهذا الاستهتار بمقدرات الشعب والوطن ومنحت تفويضها لرئيس مجلس الوزراء كما المرجعية الرشيدة للضرب بيد من حديد على كل فاسد وسارق للمال العام فساعة الحساب قد دنت والمصير المحتوم ينتظر من أتخمت بطونهم بالمال الحرام ، ولا نعتقد بأن ثورة الجياع ستخفت الا بعد تحقيق أهدافها بأصلاح الحال وأزاحة الفاسدين من على كرسي المسؤولية ، وها هو سيف العدل يشهر ليقتص ممن أساء للعراق وخرج عن جادة الصواب
والقلم بيدنا لنعبر عن هموم الوطن أطل علينا نبأ الاجراء السريع الذي أتخذه الدكتور العبادي في ألغاء نواب الرئاسات والوكلاء والمدراء العامين وتقليص الحمايات لجميع المسؤولين وفتح ملفات الفساد القديمة والجديدة والغاء المخصصات الاستثنائية للمسؤولين الحاليين والمتقاعدين ، انها الخطوة الصحيحة في طريق الاصلاح والضربة الموجعة لبؤر الفساد ، أننا بأمس الحاجة لمثل هذه الخطوة وعلى ان تكون البداية التي يعقبها خطوات لأستئصال هذا الورم الخبيث من جسد الدولة ، ان مأساتنا كبيرة وخطر هؤلاء المفسدين لا يقل عن خطر داعش في الايغال بأذى العراقيين فمطلوب من جميع المخلصين دعم هذه الخطوة ومنحها الزخم الذي يديمها لتنظيف البلد من رجس الفاسدين ولنرسم بيد نظيفة مستقبلا نقياً لأولادنا ، ولا نتوقع ان يبقى رئيس مجلس الوزراء بمنأى عن المحاربة فالفاسدون مدعومون من القوى السياسية وهؤلاء يتقاسمون معهم ايرادات الغنائم ولن يقفوا مكتوفي الايدي وموقفهم المضاد لتطلعات الجماهير ستدفعهم للمزيد من المؤامرات ضد اجراءات الاصلاح والتصدي لها ومحاولة اذابة وتسويف القرارات ومطلوب من الجماهير والقوى الحقيقية الممثلة للجماهير قبول التحدي والاصرار على الاصلاح وتعبئة الشارع للمضي قدما لحين الانتصار على الفساد وداعش ، فصوت الشعب أقوى من نعيق الفاسدين.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة