فنون الصدق والكذب

ما بين الصدق المزعج والكذب الجميل حبل طويل يلعب عليه الكاتب والفنان ويحصي رصيد القراء والمشاهدين والعشاق.مررنا بالكثير من المبدعين الابطال الذين يصلحون شخصيات تراجيدية في المآسي العراقية، وعلى الرغم من كونهم كتاباً وفنانين لهم ثقل عظيم لكنهم سقطوا في فخ الصدق ذي النبرة العالية والكئيب المنفر الذي يطردك من حلقات المعجبين لشدة ازعاجه والحاحه هو يحاول الامساك بك من ياختك (ولا اقول ياقتك الفصحى المتحذلقة) ويتشبث بك من أطراف قميصك وبنطلونك ان تصدقه وبعنف وشراهة، وان لا تتلفت الى جهة عداه،يريدك ان تحدق فيه وحده وان لا ترمش او يزوغ بصرك. طبعاً، هذا النوع من الصدق المزعج له صلة قرابة في العقائد والايدلوجيات والاديان والاحزاب، لذلك تسود الكأبة والقرف والاشمئزاز في نفوس المنتمين لدوائر العقائد هذه ويحاول المنتمي الجالس برغم انفه ان يفلت ويهرب للهواء الطلق ويتنفس الحياة الحرة الخالية من عقد الصدق المزعج.
كيف اذن يجعل الكاتب والفنان صدقه غير مزعج ويعشقه الناس ويتطلعون الى المزيد؟
أما اصحاب مذهب الكذب الجميل فهم يقتربون من دور المهرج ولاعب السيرك.هنا الكاتب والفنان محبوب وله جمهور غفير من العشاق بسبب الكذب الجميل. هذا الجمهور يحبه ولكن لا يحترمه برغم تقديمه لذة المخدرات ومتعة شرب السراب.هنا الكذب الجميل يسلب العقل ويطرب القلب فيصحوا الجمع على دوي التصفيق. هناك وبعدما يختلي الفنان والكاتب مع نفسه ينصدم وهو يتلمس التفاهة المرعبة في كل ما كتبه وقدمه من سطوة على المتلقي. وكذلك عندما يختلي الجمهور من العشاق والمحبين كل واحد مع نفسه وهو يهز رأسه من شدة الندم على الوقت الضائع والنقود المهدورة في قراءة أو مشاهدة ادب وفن الكذب الجميل،ثم يلوم نفسه كيف انصاع وانساق مع سيل التفاهة، ولكن المحنة الكبرى في معاودة وتكرار الكاتب والفنان اللعب في سيرك الادب وسيرك الفن وتقديم الحب على طبق من الخيانة ورسم الضمير بشكل ديوث في كتاب دعارة أو خشبة مسرح او سينما أو دراما المسلسلات، المحنة الكبرى هي في أفق الاغراء لمثل هكذا أدب وفن. وكذلك سقوط الجمهور في إغراء التفاهة والكذب الجميل ويتوب عما تاب. المشكلة عويصة وتتجاذبها آلاف الأمزجة المتقلبة بين حبال الصدق المزعج والكذب الجميل.
هذا الموضوع يتعدى الادب والفن الى السياسة وكارزما رجالات الحكم والى الاقتصاد وعلم الاجتماع والنفس والدين والايدلوجيات. هو موضوع فلسفي قديم لا تنتهي جدته وحداثته وموديلاته،وسيبقى مثار تساؤلات خطرة والى الابد. عندنا اسماء ساطعة تمكنت من قلب المعادلة فصار الصدق جميلاً والكذب مزعجاً .ولن ينتهي هذا السباق الى قلوب العشاق بحيل ومهارات وفخاخ ولعب في الدروب المستقيمة حتى الفوز بالصدق الجميل.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة