الأخبار العاجلة

غاليانو روائي الاورغواي الذي لم يقلقه الموت.. وتحطيم العالم

عاصف الخالدي

ربما يمكن القول إن إدواردو غاليانو (1940 – 2015) كان أحد المقربين من قلب هذا العالم، فقد قضى الكاتب الأوروغواياني سنينه التي جاوزت السبعين في قراءة هذا العالم، ولم يكتفِ أبداً، لم تكفِهِ الرؤى الكثيرة وزوايا النظر، ولم يكفِهِ الفهم الجاهز وكذلك النظرية، لم يلتزم بشيء مفروض أو موجود، بل ذهب ليحطِّم الأشياء التي لقيها في حياته إلى شظايا، ويعيد تركيبها بما يخدم الفنّ والأرض والإنسان.
اعتمد غاليانو، في أعماله، على فكرة محفِّزة ظلت تصاحبه حتى موته، إذ كان يلتفت إلى الزمن، الذي صار يندفع مسرعاً كلّما تطوَّر هذا العالم بشكل أسرع، فرغم تطوّرات العلم والفنّ وغيرهما إلا أن الجغرافيا التي عاش غاليانو فيها أتاحت له رؤية التناقض الكبير الذي تسبَّبت به ثورة الصناعة والميديا في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. فبينما العالم يسوق لتقدُّمه، يتمترس الفقر والقمع في فضاء أميركا الجنوبية، بفعل سلطوي يعتمد على الإقصاء والنسيان، لذا سرعان ما تكشّفت كتابات غاليانو عن أسلوب يعمد إلى محاربة النسيان، الذي عَدَّه غاليانو المشارك الدائم في أعمال التهميش والقمع في بلاده وفي بلاد أخرى، ففي الأعمال التي استلهم فيها تراث بلاده المحكي وقصص الناس والطبيعة المحيطة أنتج كتاب (كلمات متجوِّلة)، وقد استطاع غاليانو فيه استحضار خزعبلات أميركا الجنوبية وحكايا عجائزها وأساطير الطبيعة، في مواجهة روايات روتينية يومية مدينية وسلطوية.
قام غاليانو، في هذا الكتاب، بتمجيد القصّة الأصلية، القصّة التي لن تضيع، والقصّة التي يجب أن تُروى لأنها الأجدر، العصيّة على النسيان، والتي، في نهايتها، لن يتأذّى أحد، ليواجه، بهذا النمط، قصصاً أخرى وُجِدت لتحفِّز على النسيان. يقول غاليانو في كتابه (كلمات متجوِّلة): «لا ينسج رواة القصص قصصهم أو يغنّونها إلا حين تتساقط الثلوج، هكذا تُنجز القصص، وهنود أميركا كلّها حريصون جدّاً على القصص، يقولون: حين تروى القصص، لا تنتبه النباتات إلى نموّها، بينما تنسى الطيور أن تطعم صغارها».
هذه- إذاً- كلمات الطبيعة، وما انبثق عنها من بشر وكائنات، هذه القصص التي تتكرّر إلى الأبد مؤكِّدة جمالها وصدقيّتها على قصص أخرى وُجِدت لتُنسى، قصص السلطة التي أمنت الصناديق ومجلس الحكومة، لتؤمِّم الناس وتتاجر بهم، بغضّ النظر عما يكلِّفها هذا من تكريس للفقر والإبادة والتهميش مما عاشته أميركا الجنوبية في تلك الفترة، بتأثير من الدول العظمى ومن حكوماتها كتابع. لكن هذا لم يجعل غاليانو يقترب من السياسي، بقدر ما اقترب من الكوني والإنساني، ولا يمكن تصنيف أعماله الحرّة والعميقة على أنها أعمال ملتزمة بالمفهوم السطحي للسياسة. إنها تنغرس- بعمق- في قلب الجمال. يقول غاليانو في مقدمة كتابه (ذاكرة النار): «نحن بائسون، فهم يدرِّسوننا التاريخ كي نقبله، لا كي نصنعه. فقد جُرِّدت أميركا اللاتينية في الفترة الماضية من ذهبها، فضتها ، ونتراتها، وتَمَّ حشوها بالنسيان، سنوات طويلة وذاكرتها تُنهَب، حتى أصابها مرض النسيان».
هذا هو مشروع إدواردو غاليانو: أن يحطِّم المفروض، والمُدَرَّس، والجاهز، أن يجعل عصا الشرطي تنقلب عليه، وأن يجعل الفأس تتوقَّف لتعتذر من شجرة، وأن يجلس ليستمع إلى صلوات هندي أحمر من بلاده، يتحدّث بلغة غير تلك التي يدرِّسونها في الكتب، مشروع غاليانو في مواجهة الزمن والتاريخ اللذين يكرَّسان ليحفِّزا على النسيان، جعله يلجأ إلى تحطيم القصّة السهلة التي نعرفها عن العالم، وإعادة إنتاجها من جديد، هذه مهنة جميلة وشاقّة، جعلت منه كاتباً من أهمّ كتّاب القرن العشرين.
لغاليانو أعمال عدّة، تُرجم بعضها إلى العربية: (أفواه الزمن، ذاكرة النار، سفر التكوين، مرايا، كتاب المعانقات، وكتب أخرى).
يقول غاليانو «ما يأتي يذهب، وما يذهب- حتماً- سيأتي. الموت»- إذاً- لم يُقلِق غاليانو بقدر ما أقلقته الذاكرة. توفِّي إدواردو غاليانو في الثالث عشر من إبريل لهذا العام، لكنه لم يزل يتجوّل في شوارع مونتيفيدو، بشكل أو بآخر، متفرِّجاً على هذه الدنيا، وعلى كتبه المعروضة في زاوية زقاق ما، لذا يجدر القول إنني أكتب عنه، وهو لم يزل على قيد الحياة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة