أزمات سعدي يوسف وأجنحة محمد مظلوم

سلام مكي

لم يسلم من قلمه أحد، خصوصا رفاق الأمس. سعدي يوسف، الذي ملئ صدره بأوسمة الشعر، وحصد أهم الجوائز الشعرية على الصعيد العالمي، نال مكانة لا ينالها الا ذو شعر عظيم، صاحب الدواوين التي تغطي 10 سنين قادمة من الذائقة الشعرية العراقية والعربية. مع ذلك، لا يمكن ان نعده كائنا مقدسا، منزها عن الخطأ. ثمة شعراء ومثقفون، يخونون كل من يتناول طروحات سعدي بالنقد، مع التأكيد على الشتائم التي تنال من سعدي ليست نقدا، وتعبر بالنهاية عن ثقافة وذوق مطلقها. المشكلة، ان لا احد يفرق بين شعرية سعدي وما يطلقه من آراء في حقل السياسة، فالجميع يكاد يتفق على الأولى، أما الثانية، فهي محل جدل واختلاف كبيرين. وحتى شعر سعدي، ليس نصا مقدسا، وبإمكان خضوعه لمشرط النقد، والخروج بنتيجة قد لا تكون لصالحه، حسب قناعة الناقد. الشاعر محمد مظلوم كتب على صفحته الشخصية في فيس بوك بوستا قال فيه: أدونيس وسعدي يوسف من أهم أجنحة الشعر العربي الحديث، بل هما الآن أهمّ جناحين يحلَّقان في زمن النطيحة والمتردية وما أهلَّ لغير الشعر! ولكن سعدي، لا يستخدم جناحه للتحليق في سماء الشعر العربي فقط، بل في سماء التنظير ايضا، في سماء الشتيمة، في سماء التطرف الفكري، فأين نضعه هنا؟ سعدي يكتب رأيا في السياسة بشكل شبه يومي، وهذا لا بد من الوقوف عليه، مثله مثل الشعر، ثم ان الناقد او القارئ له الحق في ابداء موقف من سعدي وغيره، دون ان يضع الآخرون خطا أحمر. وقد تحدث احد المعلقين عن هذه الفكرة قائلا:الاشكالية تكمن في فكرة المقدس التي يحاول البعض ربطها بشخصية الشاعر، أليس من حق الجميع ان يتحدث عن الأخطاء التي تقع فيها هذه الشخصيات؟ لنأخذ عزرا باوند او سامي مهدي او عبد الرزاق عبد الواحد الم يرتكبوا الأخطاء؟ اعتقد ان فكرة القداس قد ولت والى الأبد ومحاولة العودة اليها كمن يرتكب اخر الأخطاء. أجابه مظلوم قائلا: الكلام عن القداسة بهذه الطريقة صار نوعاً من الفولكلور الشعبي! تفكيك القداسة ونقدها ليس متاحاً للجميع! وإلا اصبح نوعاً من البهلوانيات والشتائم المجانية كما هو جار الآن. النيل من الرموز بهذه الطريقة أخطر من فكرة التقديس العمياء. ما يجري تجرؤ صبياني لا واعي، وتخرصات ركيكة، ويبقى السؤال قائما،ً أمن الجدير بتفكيك المقدس فعلاً؟ يضيف مظلوم: ربما لا يكون أي منهما على حق دائماً، ولكن الحملات الركيكة التي تطالهما تجسيد نموذجي للباطل والفساد والانحطاط في الثقافة العربية. حتى وإن جاءت من الجمهور، في عصر النهضة مثلاً لم يكن الجمهور بهذه الصلافة ليخلق رأياُ عاماً عشوائياً مخيفاً كما يحدث الآن. نعم ثمة حملات ركيكة، تنال من سعدي سلاحها السب والشتم والوعيد والتهديد، بالمقابل، ثمة كتابات نقدية وطروحات بعيدة عن الانفعال، تتناول سعدي الكاتب وليس الشاعر، فهل يمتاز اصحابها بالصلافة والعشوائية كما يصفهم مظلوم؟ قبل ايام كتب سعدي مقالا بعنوان (خَوَنةُ الشيوعيّة يتولّونَ الإعلامَ الرسميّ في العراق المحتلّ) شتم فيه العديد من الاسماء الصحفية ووصفهم بألفاظ سمعناها منه قبل اكثر من عقد من الزمن مثل:شأنَها القوميسارُ الثقافي للاحتلال، وغيرها من الاسماء التي يعجز سعدي عن التحرر من عقدتها. كل اسم في هذه المقالة، يمثل أزمة حقيقية لسعدي. من مفيد الجزائري وانتهاءً بإسماعيل زاير رئيس تحرير الصباح الجديد. جميع الاسماء التي ذكرها سعدي متهمة بالخيانة، ولكن: عليهم الصمت حتى لا يجسدوا الباطل والفساد والانحطاط في الثقافة العربية! تخوين الآخر، حسب مقياس سعدي يتعلق بارتكاب جرم واحد، هو مقاومة الاحتلال، وبما ان (طريق الشعب) جريدة الحزب الشيوعي لم تكتب ضد الاحتلال، ثم تعيين مفيد الجزائري وزيرا للثقافة، فهي خائنة والوزير خائن، لأنه وافق ان يكون وزيرا في ظل الاحتلال، واستمر الجزائري في الخيانة حتى هذا اليوم، عندما عمل في إدارة مخزن في براغ لبيع السجّاد الإيراني، بعد أن باع وطنَه، ولا نعلم: هل الوطن ملك للجزائري حتى يبيعه! ثم ان من باع وطنه وقبض الثمن، هل سيعمل مديرا في متجر لبيع السجاد؟ أم ان سعدي مستاء لأن السجاد إيراني؟ أم لبيع الوطن؟ ومن يصنع سجادا يوزع في براغ، هل يعجز عن ايجاد مدير؟ كذلك جمعة الحلفي واسماعيل زاير وعبد المنعم الاعسم رئيس تحرير الصباح، وفخري كريم، كلهم تابعون للاحتلال لحد هذا اليوم، رغم انه ولى قبل اربع سنوات. سعدي، يطرح رأيا، لكنه عكس الآخرين، لا ينتظر مدحا أو ذما بقدر ما يهمه ان يتحرر منه، أما غيره، فتبقى عينه على عدد الاعجابات والتعليقات التي تشعره بالنشوة، ومن يعارض يبدأ بشتمه وتخوينه ومن ثم حذفه من لائحة الاصدقاء. سعدي يصمت، ويجعل اسمه تحت نصه، مهما كانت أهميته وجودته. من حق سعدي ان يطرح ما يراه صحيحا، ومن حق الآخرين ان يكتبوا عنه ما يرونه صحيحا، ولا قداسة لا لسعدي ولا لغيره من الشعراء.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة