شهادة عن قصص الأقبية السرية

آفاق اللغة في الكتابة السردية

علي حسين عبيد

الحروف كما أراها خلايا صغيرة تشترك معا في تكوين أجسام الكلمات وأرواحها، فيأتي الكاتب ويتعامل مع هذه الخلايا إنطلاقا من روحه ورؤيته للعالم وللكون معا بما ينطويان عليه من موجودات، هذا يعني أن الكاتب راصف الكلمات نثرا، يتداخل بروحه ورؤيته مع أجسام الكلمات وأرواحها لينتج عن هذا التداخل سردا ينتسب أولا لكاتب النص، وتبقى لخلايا الحروف وكلماتها حصتها في التكوين الابداعي.
وشروعا من هذه الرؤية وهذا التفسير الشخصي، حاولت أن أكتب معظم قصص (الأقبية السرية/ مجموعة قصص صدرت في 2009 بلغة سردية خاصة يمكنها تقديم ما يختلج في ذاتي من صور واحداث واحلام وشخصيات وفقا لما أراه أنا، ولكن بصورة غير مباشرة، أي من خلال الشخصيات التي تحركت في مساحات القصص واجوائها، وقد يسألني أحدهم ما هي ملامح وميزات هذه اللغة؟
أقول بهذا الصدد، لم تأت قصص الأقبية السرية متقاربة في شكل الكتابة ولا حتى مضامينها، بل ثمة سنوات طويلة قاربت العقدين توزعت عليها كتابة هذه القصص، فهناك ثلاث قصص كتبتها في ثمانينيات القرن الماضي، وكانت هذه القصص بنات زمانها وتجربة ووعي الكتابة آنذاك، وقد دفعت بها الى هذه المجموعة خوفا من فقدان فرصة نشرها بكتاب كونها تنتمي الى مجموعة لم افلح بنشرها عام 1989 ولأنها ترتبط مع معظم قصص الاقبية السرية بالرابط الانساني، أفردتُ لها مكانا في الأقبية، ولكن تبقى السمة العامة لقصص هذه المجموعة هي لغتها التي حاولت أن أجردها من جميع مدلولاتها غير المباشرة، وهي محاولة تجريب في التعامل مع اللغة.
لقد رسخت في ذاكرتي قصة للكاتب العربي بهاء طاهر أسمها (بالامس حلمت بك) نُشرت قبل ربــع قــرن في إحــدى المجلــات العراقية، سحرتنــي هــذه القصة بلغتها النقية، وأظــن أننــي اقتربت منها في عدد من قصص الاقبية ومنها قصص (فم التنين، وطفل الحروب، والرجل الأصم، وأنا، والنصف الضائع، والوليمة) ليس بمعنى التقليد، بل هي محاولة للتقارب مع التجارب الاخرى.
وتبقى قصة (رقيم الجنون) هي قفزة التجريب النافرة، سواء على صعيد الاقبية السرية او عموم التجربة الشخصية في كتابة السرد، فلغتها تكاد تكون وحيدة ضمن تجربتي الكتابية، لكنها -وفقا لرأيي الشخصي- تشكل علامة فارقة في مسار لغتــي الســـردية، وهنـــا لا أسعى كي أضع لها درجة تفرد أو نجاح أو فشــل، بل ما أعنيه محاولة جديدة لتفعيل اللغة واستنهاض مدلولاتها وقدرتها على التعبير عن رؤية الانسان وهواجسه خاصة أنها كُتبت عمّا حدث في أول ليلة من ليالي الحرب الأمريكية الأخيرة في العراق. أما على صعيد الافكار التي طُرحت في الاقبية السرية، فهناك مقولة لأحد كتاب الميثولوجيا تؤكد (أن الانسان فقد -في الازمان الغابرة- نصف انسانيته وثلثي كرامته في معركة الاستنزاف من اجل البقاء)، هذا الكلام أثار في أعماقي تساؤلا ضاغطا مفاده، هل يمكن للانسان أن ينازل وحشية العالم الراهن بما تبقى له من انسانية ناضبة وكرامة مستنزَفة؟ هذا السؤال الموجع والماثل أمامنا جميعا، لا تستطيع معظم هذه القصص أن تجيبَ عنه، ولكنها تعرض لشخصيات فقدت كرامتها في الحروب والسجون والمعتقلات وزنازين التعذيب وما شابه.
وعموما، تنقل هذه القصص صورا حصلت في الواقع فهشّمت الروح والمادة معا، لكنها ربما تشكل فسحة أمل ضئيلة لمعالجة الموقف لصالح الانسان.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة