الأخبار العاجلة

ولاية بطيخ !

يعشق العراقيون “الرقّي” أو “الركَي” كما يُطلق عليه عندنا باللهجة العامية، حيث يتصدر قائمة الفواكه الصيفية التي تشهد إقبالاً منقطع النظير بسبب توفره بكميات كبيرة ورخص ثمنه فضلاً عن فوائده الصحية والغذائية. هناك من يُطلق عليه في بعض المدن “الدبشي”، أما في مصر وبعض البلدان العربية فيسمونه “البطيخ” ، وطالما ارتبط هذا الاسم بالمثل الشعبي المصري “روح نام وخلي ببطنك.. بطيخة صيفي!” والكناية العراقية “ولاية بطيخ”!
توثقت العلاقة بين هذه الفاكهة الصيفية ومجتمعاتنا لترتبط ارتباطاً غذائياً وروحياً، وشكّلت جانباً مهماً في قضية الصيف والحرارة والمرارة… حيث ظل المواطن يتغنى ويتغزل بالرقّي.. ويردد في مطلع كل موسم أغنية “حبيتك بالصيف.. حبيتك بالشتي”!
“الرقّي” غذاء صحي مفيد يخفف من وطأة حرارة الجو.. هذا ما يقوله خبراء التغذية بل ويؤكدون أن هذه الفاكهة غنية بالكثير من العناصر التى تسد حاجة الإنسان من الماء والفيتامينات والمعادن طيلة اليوم، خصوصاً فى أيام الصيف الحارة ، وأن البطيخ (الرقّي) يحتوى على الماء بنسبة 92 في المئة !
من المشاهد المألوفة في سوق الخضار أو في الأماكن العامة والأحياء السكنية أن تشاهد رجلاً أو شاباً أو امرأة وهم يحملون في أحضانهم أو على أكتافهم “رقية” خضراء مدللة. بفضل التقدم العلمي والتكنلوجي والتعديلات الوراثية والبيوت الزجاجية .. لم تعد زراعة الرقّي تقتصر على فصل الصيف فقط وهذا ما جعل إمكانية تناوله في فصل الشتاء وفي الفصول الأخرى أيضاً.. ولكن ليس بطعم ومذاق وحلاوة “الرقّي” في موسمه بحسب عشاق الرقي في ولاية بطيخ !
في الماضي وبسبب عدم توفر الثلاجات وأجهزة التبريد الحديثة كانت العائلة تضع “الرقّي” في مكان بارد، أما تحت قاعدة “الحِب” – وهو إناء فخاري يستخدم لتبريد مياه الشرب – أو في براد خشبي مع الثلج.. أما في المساء.. فقد كانت تُقطّع الرقّية الى نصفين وتوضع على “ستارة” سطح البيت حتى تبرد !
كانت الباصات الخشبية تنقل حمولات الرقّي من المزارع الى المدن، إضافة الى “الكاريّات” وهي واسطة نقل نهرية.. ولمعرفة جودة “الرقّي” يعتمد خبراء “العلوة ” في فحص جودته وحلاوته على “الطبطبة” الرقيقة الحنون بباطن الكف على ظهر الرقّية.. ومن خلال النغمة الموسيقية التي تصدر عن ذلك يُكتشف أنها أي “الرقّية”.. طازجة حلوة المذاق أم لا !
المعروف أن “علاوي” الرقّي.. كانت تزدحم وعلى مدى أيام الموسم الصيفي بـ “اللوريات” الكبيرة وسيارات الحمل الصغيرة التي تنقل الرقّي من مزارع العراق وعلى وجه الخصوص من المدن التي تقع شمال العاصمة بغداد،منها .. سامراء، بلد، العظيم، الحويجة وغيرها حيث كان أصحاب المحال أو التجار يضطرون في الكثير من الأحيان الى تفريغ الحمولات حتى ساعات متأخرة أو حتى الفجر.. لغرض بيعه على التجار الصغار وأصحاب “البسطيات” في اليوم التالي. “حجي عزيز” كان أحد هولاء.. له مساحة جيدة من الأرض يمتلكها في هذه العلوة ، ذات مرة وبعد يوم شاق من العمل المضني من الصباح حتى ساعة متأخرة من الليل اضطر الى النوم على حمولة الرقي، كان “أبو عزيز” ضخم الجثة ذا رأس أصلع.. أكبر قليلاً من كرة السلة.. بل هو نسخة طبق الأصل من رأس رئيس ” الكهنة” اليخماهو” في مسلسل يوسف الصدّيق..! وبينما كان أبو عزيز غارقاً في النوم.. استيقظ فزعاً في الظلام الدامس على ضربات “كف” حرامي العلوة.. وهي تطبطب على رأسه.. فصاح بأعلى صوته: “هم حرامي.. وتبوك الركَي.. وهم تستنكَي”!
ويبدو أن “الحرامي” كان سيء الحظ عندما قاده حظه العاثر في الليلة الظلماء الى رأس “أبو عزيز” بدلاً من “الرقّية” !
شهدت زراعة الرقّي في السنوات الماضية.. تراجعاً مخيفاً وحلَّ “الاستيراد” بديلاً عن الإنتاج الوطني بعدما انصرف بعض الفلاحين والمزارعين عن مهنة الآباء والأجداد ليختاروا مهنة زراعة “العبوات القاتلة” التي باتت تجارة رائجة تدر عليهم إيرادات مالية كبيرة مع ترديدهم شعارات “لا زراعة.. ولا بطيخ ولا هم يحزنون”.. وبدلاً من أن يضع هؤلاء “بطيخة” صيفي في بطونهم ويناموا في حضن الوطن آمنين مطمئنين.. اختاروا أن يضعوا عبوة ناسفة ليفجروها في بطون الأبرياء.. ولينصرفوا بعدها الى تناول “الرقّي” الأحمر “حلو” المذاق.. في أحضان حور العين!

• ضوء
هناك من يتذوق طعم الشهادة، وهناك من يتذوق مرارة الخيانة!
عاصم جهاد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة