المعماري الكبير محمد مكية: ابن العراق عاشق التراث ومؤسس العمارة البغدادية

وهو يوّدعها قال: (أوصيكم ببغداد)

بشرى الهلالي

محمد صالح مكية، من مواليد محلة صبابيغ الآل ببغداد عام 1914، أكمل فيها دراسته الأولية ثم درس الهندسة المعمارية في جامعة ليفربول\ بريطانيا ونال درجة البكالوريوس عام 1941، أما الدكتوراه فقد حصل عليها عام 1946 من جامعة كمبردج في بريطانيا عن أطروحته (تأثير المناخ في تطور العمارة في منطقة البحر المتوسط). له اعمال عراقية وعربية وعالمية متميزة في مجال العمارة اهمها: جامع الخلفاء، بوابة مدينة عيسى، المسجد الكبير في الكويت، جامع سلطان قابوس في عمان، جامع اسلام اباد في باكستان.
في مستشفى كوليج بلندن في 19 تموز الماضي، رحل د. مكية، عن عمر ناهر 101 عام، تاركاً مسيرة حافلة بالإنجازات الكبيرة والمهمة في مجال العمارة والفن والثقافة وعشقا لا يضاهى لبغداد.
الدكتور محمد مكية، المعماري، الباحث الاكاديمي، والانسان، كان حاضرا في قلوب زملاءه واصدقاءه الذين استذكروا الراحل بمشاعر تمتزج بين الحب والحزن والوفاء لرائد الهندسة المعمارية. وكانت بداية الحديث السيد موفق الطائي\مهندس معماري اكاديمي في جامعة النهرين، والذي تحدث عن نشأة الدكتور مكية وعلاقتها بمسيرته المهنية قائلا:
– اي انسان هو نتاج تمرين ذهني، نشأ مكية في محلة، وماتفرضه المحلة من علاقات اجتماعية قوية، تذوق باحساس عالي قيمة المحلة والشناشيل و(الدربونة)، لم يشارك زملاءه آنذاك في الخمسينات مثل رفعت الجادرجي وقحطان المدفعي، حذوهم في التوجه نحو العمارة الحديثة. كان ابن محلة وابن العراق الذي يأله المحلة، ورؤياه لها كانت رؤيا اسطورية عكست روحها على العمارة، فالعمارة هي عملية اجتماعية بقدر كونها بنائية. التحق محمد مكية بجامعة ليفربول في اوقات التهيؤ للحرب العالمية الثانية وتوقف عن الدراسة بسبب الحرب لكنه اكمل بعد ذلك، وكان القسم المعماري في ليفربول ذات سمة اجتماعية تأله تخطيط المدن مما تناغم مع طبيعة مكية الشخصية، فابدع وكان متميزا. واختار فرع البيئة – فرع غير معماري في كامبريدج، للحصول على الدكتوراه فتناغم ذلك ايضا مع تكوينه الاجتماعي، وعاد الى العراق في الفترة التي قدمت فيها الحداثة، عاد بعد الحرب العالمية مباشرة 1945.

التراث العراقي كان همه
يضيف الطائي “أنشأ مكية مباني كثيرة، لكن الهم الاجتماعي كان مسيطرا عليه وعلى غيره خصوصا وان معظم المعماريين انذاك كانوا شيوعيين، فانعكس همهم الاجتماعي في انشاء المدن والقرى الجديدة لنفع الناس، فجاء التطبيق منسجما مع كيان محمد مكية الشخصي، وكان العراق آنذاك يمر في ثورة النفط التي أدت الى ثورة في البناء، لكن معماري ذاك الزمان كانوا فقط 13 معماري عراقي بين 73 من الاجانب، فكان هنالك صراع بين فرض العمارة الحديثة الغربية وتيار مكية. وكان المعماري فرانك لود رايد انذاك في العراق الذي بنى جزيرة بغداد السياحية في 57 سماها جنة عدن، ولم يكتمل تنفيذها، وفرانك كان ينزع الى ان يرى العراق في العمارة، فاصبح تيار محمد مكية اقوى وتوجه نحو العمارة البغدادية، تاثر مكية بتلك الفترة بالتراث اكثر من التاريخ.

مكية وجمعية التشكيليين
ويتحدث الطائي عن دور مكية في دعم الفن التشكيلي قائلا: كان لمكية الدور الاكبر في تاسيس جمعية التشكيليين العراقيين، وجعل خط الفن يتجه الى فضاء، ساهم بتغيير المفهوم التشكيلي وشجعهم على اتباع طريقة الواسطي، كان فنانا ومحاضراته عن الواسطي افضل من اي ناقد شهدته في حياتي، كان غريبا ان يقود معماري تشكيليين.

الاكاديمي المؤسس
يضيف السيد الطائي بأن “اهم انجاز للدكتور محمد مكية كان تأسيسه لقسم الهندسة المعمارية في جامعة بغداد، فنحن حتى الان ندرس منهجه في الجامعة. ومنهجه جيدا رصينا يعطي قيمة اجتماعية للعمارة، وحتى سنة 1980 كانت شهادة البكلوريوس للطالب العراقي تعادل بالماستر في انكلترا، فيحصل الطالب العراقي على دكتوراه فورا، فلقد جعل الطالب المعماري مرتبط بوطنه وليس بكتلوك، كون منهجه يعنى بالمدينة والتراث، وكان رزانته متأتيه من ارتباطه بمدرسة ليفربول المعمارية التي درس فيها مكية وجلب منهجها، وحتى هذه اللحظة مازال يدرس في الجامعات العراقية، ترأس محمد مكية قسم الهندسة المعمارية حتى العام 1968، وكان الاساتذة الاجانب الذين يحضرون للتدريس في العراق يلتزمون بمنهجه، لذلك سيظل حيا ولن تنتهي اهميته بمجرد موته، وانما سيظهر كل مرة بصيغ ابداعية اعلى، فطلبته الان يبنون دول الخليج، فهو يظل رائدا في المنهجية المعمارية”.

سرقوا مشروعه (الحلم)
الدكتور المعماري مظفر الجابري، من أصدقاء وزملاء الدكتور محمد مكية، تحدث عن المعماري العراقي الذي كان دوما محملا باحلام كبيرة للبلد قائلا “اقترح د. مكية انشاء جامعة الكوفة، حدد المكان وحصل على موافقة ووضع التصاميم للمجمع وجمع مبالغ كثيرة من التجار لبناءها، ثم استحوذ النظام السابق على الاموال والغى المشروع”.
وعن الاستاذ والزميل مكية قال الجابري “د. مكية بذر في كل منا بذرات الهندسة المعمارية، وضع نظاما، وزرع فينا حب التراث والحفاظ على بغداد القديمة، وكنت كلما التقيته حدثني عن جامع الخلفاء وكيف أنشأه، وعن طموحه في انشاء جامعة الكوفة”.

أوصيكم ببغداد
ويستذكر د. الجابري آخر مرة زار فيها مكية العراق في العام 2010 قائلا “اخر مرة زار فيها مكية العراق، جهزنا له بيته، وكنا نعمل على مشروع تطوير الاهوار، قدم محاضرة في جامعة بغداد قال فيها عبارته المشهور (اوصيكم ببغداد)، متحدثا عن التراث وضرورة الحفاظ على روح بغداد، فقد كان عاشقا لبغداد”.
ويضيف د. الجابري ” مايميز مكية هو انه لم يكن مجرد معماري مبدع وانما انسان مفكر وناضج ولديه تجارب كثيرة في الحياة مما يجعله يختلف كثرا عن بقية المعماريين، أنشأ مؤسسة الذاكرة العراقية باشراف ابنه في بغداد بعد 2003، وفكره يمتزج بعشقه لبغداد، فهو ابن محلة صبابيغ الال، نشأته وولادته فيها، وهو ابن عائلة معروفة كانت تعمل في التجارة، وقد صنف عالميا لمرتين كما عمل في الخليج وانكلترا”.
ومن اشهر تلامذة مكية كما يقول الجابري هم “عدنان اسود، علي الموسوي، ساهر القيسي، مثنى البياتي، فاضل عجينة، وهؤلاء مشهورين عربيا وعالميا”.

الجيل الجديد ود. مكية
د. شذى عباس العامري\اكاديمية في جامعة بغداد تحدثت عن د. مكية الاستاذ الذي لم تلتقي به وانما عرفته من خلال المناهج التي درستها وآمنت بفكره، تحدثت عنه قائلة “تأثير د. مكية علينا اساسي من كونه صاحب الفضل في تأسيس القسم المعماري في جامعة بغداد\ 1959 ووضع المنهج الذي هو جيد جدا ليؤسس لولادة عمارة عراقية تدرس ويوضع لها منهجا، اضافة لكونه من عمالقة المعماريين الذي درس مع الاجانب واصبح واحدا منهم، وفي منهجه اكد على ضرورة وجود عمارة عراقية وهذا يندر في دول اخرى عربية وعالمية، أي ضرورة دراسة العمارة كفكر. جمع مكية بين الهوية والتراث والتحديث، وهو مانسميه في دراستنا (الكلاسيك الحديث) فعندما تنظر الى بناياته تشعر انها عراقية مع تقنيات حديثة، أي استلهم ايجابيات الحداثة مع الحفاظ على الهوية العراقية، يسمى اسلوبه (بوست مودرن) اي اضافة عناصر الماضي المعبقة بالروح الى الحداثة المفرطة”. وتضيف د شذى “احب اسلوبه وعندما سانفذ اعمالي ساتبع اسلوبه، رغم ان الظروف والمكان احيانا تفرض اسلوب العمل”.
المفكر والانسان
كانت الوقفة الاخيرة مع المهندس هشام المدفعي\استشاري هندسة مدنية، تحدث فيه الصديق د. مكية وذكرياته معه فقال “اول لقاء جمعني به، عندما كان رئيس دائرة في مديرية البلديات، في 1950 عندما زرته باحثا عن وظيفة، لمست فيه رجلا مهذبا ولطيفا، كانت لدينا علاقات عائلية مع عائلة ال مكية، وهو من صمم اول بيت لنا في العلوية في اوائل الخمسينات، كنت ازوره في مكتبه في عمارة مكية في شارع النهر، وهكذا توطدت علاقتنا اكثر”
ويضيف المدفعي “مارس د. مكية نشاطه الهندسي في بغداد بشكل جيد، وبنى الكثير من الوحدات السكنية وكانت اعماله جميلة، عمل في المقاولات لمدة عشر سنوات لم يكن عمل الهندسة مجديا، انشأ سينما النصر، ثم اغلق مكتبه في العام 1958، وغادر الى الخليج التي كانت سوقا مفتوحة للعمل”.

يرى التراث حتى في الأكل
يستذكر المهندس المدفعي حادثة طريفة عن د.مكية وعشقه للتراث “كانت زوجته انكليزية عاشت في بغداد، وعشقت العراق، اما مكية فقد عشق التراث، الزخرفة والريازة والجوامع الاسلامية ونجح في هذا الاتجاه، وفي احد الايام قال وهو يأكل ويتأمل بقايا الطعام (جميل ن يأكل الانسان ويرى في مايتبقى من الطعام نقوش تراثية وزخرفة)”.

هل كان د. مكية ماسونيا؟
اضطر د. محمد مكية لمغادرة العراق في العام 1968 لاتهامه بالماسونية، بينما يؤكد المهندس موفق الطائي بأن “مكية كان يساريا فكيف يمكن ان يكون ماسونيا”.
أما المهندس هشام المدفعي، فيوضح قائلا “لم تكن الماسونية جريمة آنذاك، فهي ليست أكثر من جمعية ثقافية انضم اليها العديد من المثقفين والوزراء ونخبة المجتمع، ولم يفكر احدا بعلاقتها باسرائيل، المشكلة كانت في تغير الفكر بعد 1958 الذي حول الماسونية الى جريمة وخصوصا بعد ثورة 1968، فاصبحت الاحكام قاسية بحق البعض، فنحن كنا وطنيين ونعشق البلد، لكن تغير النظام ادى الى تغيير الافكار، فاصبحت الماسونية ممنوعة كالشيوعية”.

د. مكية وصدام حسين
وعن اول زيارة لمكية بعد هجرته العراق في العام 1980 قال المدفعي “وجهت الى د. مكية دعوة ليعمل على جامع الدولة الكبير لكنه اعتذر عن الحضور الى بغداد، فجاء اعتذاره مفاجئ للسلطة انذاك، كان يخشى الحكم بالاعدام الذي صدر بحقه، ونقل رفعت الجادرجي ذلك الى رئاسة الجمهورية، فكلف صدام حسين رئيس الديوان ان يتصل هاتفيا بمكية الذي ابلغه دوره بالغاء امر الاعدام وان بامكانه الحضور كمواطن عراقي، وفعلا زار مكية بغداد وعقدت الندوة للبحث في تصاميم الجامع الكبير بحضور عدد كبير من الاستشاريين العرب والاجانب، وقدم الدكتور مكية تصاميمه مع رفعت جادرجي و معاذ الالوسي، وعلى مدى نصف ساعة شرح مكية التصاميم بطريقة ممتعة بابعادها المختلفة الفكرية والفلسفية وكان ذلك بحضور صدام حسين، الذي كلف مكية باعمال اخرى في سامراء مما اعاد الاعتبار له.

ديوان الكوفة في لندن
من اهم نشاطات مكية الثقافية والفكرية في انكلترا كما يقول المهندس المدفعي “اقام د. مكية في لندن مركزا ثقافية اطلق عليه ديوان الكوفة صار ملتقى للعراقيين، كان له الفضل في جمع المثقفين العراقيين من مختلف الاطياف واقامة الندوات والدراسات، فادى خدمة كبيرة للثقافة العراقية والتراث والعمارة العراقية، لكن هذا المركز حورب من قبل الحكومة العراقية في سنوات الحرب العراقية الايرانية واتهم بكونه طائفيا، مما دفع البعض للابتعاد عنه”.
وعن لقاءه الاخير مع د. مكية قال “آخر مرة التقيته قبل سنة، قرب بلوغه 100 سنة، وكان ذلك في احد المطاعم في لندن حيث يسكن في شقة قرب المتحف البريطاني، وكان معي رشيد خيون الذي ساعده في كتابة مذكراته، وابراهيم الشيخ نوري وباسل مكية، كان يستعمل الكرسي المتحرك، لكنه كان يستطيع المشي داخل المطعم، تحدثنا على مدى ساعتين عن بغداد وعن طموحه ان يفتح جامع الخلفاء الى النهر، رغبته التي لم تتحقق”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة