الأخبار العاجلة

جامع الخلفاء.. العمارة والمكان

د. خالد السلطاني*

تشي عمارة «جامع الخلفاء» (1963)، المعمار محمد مكيه (1914-2015)، بقراءآت متعددة للآثر المبني، فهي توحي الى تمرد خلاق ضد مركزية المعنى الواحد، والدلالة الواحدة، والمضمون الواحد! فعمارة المسجد، وكما اراها، وكما ادرك مغزاها، تمثل لدي، نوعاً من «القطيعة»: القطيعة بمعناها (الابيستمولوجي)، الداعية لتأثيث حساسية جمالية جديدة ذات مرجعية مغايرة، تجد اصولها في ذلك النشاط الاجتهادي، الذي سعى المعمار وراء ترسيخه في الخطاب المعماري المحلي والاقليمي. والقراءة الخاصة التى انوي بها التعاطي مع عمارة هذا المبنى المثير والمبهر، تتيحها الان المقاربات النقدية الحداثية (او بالاحرى ما بعد الحداثية)، هي التي تسهم في فهم الاثر المعماري المجترح ضمن سياقه التاريخي والثقافي، وبانفتاح واسع على مجمل الافكار المؤسسة لتلك السياقات.
لايطمح مخطط تصميم (جامع الخلفاء) الى حل نفعي ومباشر لتجسيد مفردات المنهاج الداعية لتصميم فراغات (مسجد) باشتراطات محددة؛ (فالمكان)، و(شواهد المكان)، و(موقع المكان)، كلها امور غير عادية، لم يكن بمقدور المصمم تجاهلها او التغاضي عنها. فالمسجد المنوي تشيده يقع ضمن منطقة تاريخية مهمة في تاريخ الاسلام والخلافة الاسلامية، التى كانت بغداد يوما ما حاضرة ً لهـا، ثم ان وجود المأذنة التاريخية، في الموقع، والتى يعود تاريخها الى اواخرالقرن الثالث عشر (1279) واهميتها الاثارية وارتفاعها الشاهق (يصل ارتفاعها الى حوالي 35 مترا) وهيئتها المميزة واسلوب تزيناتها وطبيعة موادها وتراكيبها الانشائية، فضلاً عن ان الموقع ذاته شغلته يوما ما، مساجد بغدادية فسيحة ومهمة، لم يبق شاهدا منها الا مأذنة تنهض اليوم عاليةً في الموقع؛ كل ذلك كان حرياً بان يُـؤخذ في نظر الاعتبارعند اعداد الفكرة التصميمية للجامع. ولهذا فان القرار التصميمي لم يكن معنيا كثيرا بايجاد فراغات مناسبة للمصليين، وهي الوظيفة الاساسية لمبنى مسجد، بقدر ما كان ينزع ذلك القرار الى حضور تجليات القراءة الحديثة لسجل التاريخ البنائي والعمراني لتلك المنطقة؛ والتماهي تصميمياً مع عناصر ورموز مألوفة للذاكرة الجمعية ومعروفة لديـها. فالمعمار، هنا يستثمر الحدث التصميمي لاعادة انتاج ذلك الموروث الثر والنبيل، الذي ما فتأ يثير همة وحماس البناة المحليين، ولهذا فان تنظيم الاحياز التصميمية لمسجد الخلفاء، وتشكيل عناصره المعمارية كانت معنية، في اعتقادنا، الى تكريس حضور الفضاء تكوينياً، الفضاء العاج بالنكهة التاريخية، وان لاتغلب العناصر المستحدثة على شاهد الاجيال السابقة، وان لا تحاول طمس منجزها التصميمي البارع! وبعبارة اخرى، يستبدل المعمار، المسكون بحضور الغياب، مراميه التصميمية في ابتداع فراغات جديدة، يستبدلها لجهة اقتصار الفعالية التصميمية وجعلها تعمل
(كخلفية) بنائية background لـ (فكرة) متخيلة تكون مشاعة للجميع، في تصور ما يمكن ان يكون عليه (جامع الخلفاء) جنبا الى جنب شاهده المادي المثير- المأذنة التاريخية العتيدة، ذات (الفورم) الجميل والتناسبات النبيلة.
يبقى هاجس التفصيل سيد التكوين في عمارة (جامع الخلفاء)، التفصيل الذي يطمح لان يكون مكافئاً للمنظومة التزينية التى تكسو سطوح المأذنة المجاورة من جهة، ومن جهة اخرى يسعى التفصيل وراء تكريس هيئات العناصر المعمارية التراثية المألوفة وجعلها مفردات نشطة في صميم المعالجات التكوينية للمسجد، بيد ان المعمار، هنا، لاينساق وراء اغواء وجود العناصر التراثية ليعلن انتماء عمارته الى المكان، ذلك لان التفصيلات المستخدمة، عدا كون اشكالها هي نتاج فعالية تفسيرية، فانها تستثمر طاقات المادة الانشائية الحديثة المعمولة بها تلك الاشكال الى اقصى حد، وتنزع لان تتواءم مع امكاناتها التركيبية. ويبدو ان مزاوجة استخدام منظومة التزيينات القديمة مع الحلول الحديثة هو الذي يمنح (جامع الخلفاء) ذلك الاحساس العالي بنظارة وحداثة القرارات المعمارية ومنطقيتها؛ وفي النتيجة، فنحن ازاء تمرين بصري ممتع، يزيده امتاعا كون العناصر البنائية التقليدية قد تم تأويلها لتتناسب مع مجرى استحقاقات لغة العمارة الحداثية. وهذا الامتزاج النبيـه الذي تحقق في (جامع الخلفاء) عدّ حدثاُ تصميمياً مهماً، وطدّ تداعيات مبادئ وقيم تيار (الاقليمية الجديدة) الناشئ، وابان مقارباتها المميّزة في الخطاب المعماري العربي بصورة واضحة وجليّـة. ويظل الاهم في عمارة جامع الخلفاء، هو ذلك النزوع نحو أكتشاف (الذات) المعمارية المحلية، وترويض تقاليدها وحتى رموزها، والارتقاء بها لتكون متسقة ومتكافئة مع اشتراطات مجرى العمارة العالمية وتطلعات الحداثة.
وهو أمر اسس لما بعد، لظهور «التيار الاقليمي الجديد»، كاحد اجتهادات الممارسة المعمارية العالميـة الراهنـة.

* معماري وأكاديمي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة