كرامة الصحافي ..أولاً

لا تربطني بالزميل نبيل جاسم علاقة شخصية، ولا هو يحمل ودّاً شخصيا لي، لكن أيّاً من هذا لا يمنعني من ابداء تضامني معه وانزعاجي الشديد من استدعائه قضائيا باسلوب لا يليق بمكانة الصحافي في نظام يدعي الديمقراطية.
لست ضد القانون ولا ضد الاحتكام الى القضاء. بالعكس، هو خير ملجأ لاسترداد حق أو الرد على تعدٍّ، لكنني ضد أن يكون القضاء – ربما دون قصد – عاملاً في سلب حقٍ أو تضييقا على حرية، وأي حق وحرية أكثر قدسية من حق، بل واجب مساءلة الاعلامي للمسؤول، وحرية الرأي، أو سلباً لكرامة صحافي، في ظل نظام نتغنى بتوفيره الحريات حتى لو عجز عن توفير الكهرباء والسكن وبقية أساسيات الحياة.
عندما أنشئت محكمة النشر، كان هدفها أن تتولى البت في الشكاوى المتعلقة بالاعلام بما يكفل حرية التعبير والرأي التي هي عماد عمل الصحافي في كل فروع هذا القطاع الحيوي، الى جانب حماية حقوق الافراد من التطاول والتشويه والاساءة التي قد يتعرض لها البعض بسبب تمادي بعض الصحافيين في ممارسة الحرية في عملهم. وإذا كان هذا هو الاطار العام لفلسفة وجود هذه المحكمة التي لم يتحقق الغرض منها كونها ما تزال تعتمد قانون الستينيات في غياب قانون جديد للاعلام يأخذ بالاعتبار تطور مفاهيم الاعلام وحقوق الانسان والحريات، فكيف لها ان تستدعي الصحافي المدعى عليه وتنعته بصفة “المتهم”؟. صفة استفزازية للعاملين في مهنة سميت سابقا بالسلطة الرابعة لتصبح اليوم أرفع من ذلك بكثير.
منطقيا، يتطلب الحفاظ على عمل الصحافة بحرية أن تقوم المحكمة بتقييم الشكاوى الواردة اليها وتحديد ما إذا كانت تحمل أحد عوامل بطلانها كتعارضها مع حرية الرأي أو تقديمها خارج المدة القانونية المحددة في القانون، قبل تحديد موعد للمرافعة واستدعاء المدعى عليه. هذا الامر سيقطع الطريق أمام استسهال الجميع تقديم الشكاوى والحلم بالتعويضات “المجزية”، وهو ما يحتاج الى الاستعانة بخبراء لتقديم المشورة.
حدث معي قبل عام، أن تم رفع دعوى ضدي مرتين، وخارج المدة القانونية لنشري عموداً واحداً هنا في “الصباح الجديد” بشأن ظاهرة التسليب في شوارع بغداد. وكان بامكان المحكمة كشف عدم قانونية الشكويين بسبب رفعهما بعد اكثر من ثلاثة أشهر على نشر العمود، وكذلك لكون ما جاء في عمودي ممارسة لحرية النشر ودعوة الجهات المعنية لمكافحة ظاهرة سلبية دون ذكر اسم أحد من المتورطين . كان بامكان المحكمة رد الدعوى قبل تعيين جلسة مرافعة وتكبيدي أجور الدفاع لاصل الى نتيجة معروفة سلفا وهي “رد الدعوى”. أعلم أم هناك تعليمات من مجلس القضاء الاعلى توصي بهذا الاجراء.
نحتاج من قضائنا الموقر، دقةً أكبر وحساسية أقوى في التعامل مع الاعلام. فالقضاء المستقل والاعلام المهني الحر ركيزتان اساسيتان للنظام الديمقراطي. فالزميل نبيل جاسم وقبله زملاء آخرون، هم “مدعى عليهم” وليسوا متهمين، فحرية الرأي حق وليست تهمة.
سالم مشكور

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة