اليهود بلا (قرون)

في طريق عودتي، صادف ان يجاور مقعدي في الطائرة، عائلة مكونة من الام و فتاتين وصبي غط في نوم عميق لحظة الاقلاع. جلست اصغر الفتيات الى جانبي، طفلة جميلة في الحادية عشرة من عمرها. وبرغم ان امها حذرتني من ثرثرتها، الا ان ثلاث عشرة ساعة كانت كافية لنتشارك انا والصغيرة، الحديث والطعام والغطاء، عرفت منها ان عائلتها تستقر في اميركا، وهم في طريقهم الى عمان لزيارة والدهم الذي يعمل هناك. توقعت ان تكون الفتاة فلسطينية الاصل، كما هو شأن الكثيرمن الاردنيين، وبعد ثلاث ساعات، استيقظ اخوها الاصغر، فنادته والدته باسمه الذي عرفت من خلاله ان العائلة يهودية. لااعرف لماذا ارتجف قلبي، وتذكرت كل مشاعر البغض التي نحملها لليهود واسرائيل، وكل ماسمعناه في صغرنا، فهل يعقل ان هذه الفتاة اللطيفة هي (عدوتي)، وهي (بلا قرون)؟
قبل أيام، أنهيت قراءة كتاب عن يهود العراق، عرفت من خلاله اسماء العديد من الشخصيات اليهودية العراقية اللامعة التي كان لها دور كبير في بناء الدولة العراقية في 1921 وماتلا ذلك، حتى ان تهجير العقول العراقية اليهودية ترك فراغا كبيرا على الساحة في جميع المجالات الاقتصادية والثقافية والفنية.
لن أستغرب إن فكر البعض بأني اكتب للدفاع عن اليهود، وربما (يشطح) ذهن البعض ليظن اني عميلة اسرائيلية وتسلمت مالا للكتابة عنهم، لأننا اعتدنا ان نكره من دون تفكير، ان ترتجف قلوبنا، لمجرد ذكر اعدائنا، وان لم يكونوا كلهم أعداء. فالمتابع للاحداث يعرف بأن معظم اليهود العراقيين في اسرائيل يشكلون المعارضة للحكومة والصهيونية، وان تظاهرات واسعة اندلعت في اسرائيل ضد اميركا في العام 2003، كما ان الكثير منهم هجر اسرائيل الى دول اخرى وظلت عيون البعض ترنو الى العراق.
وماالذي أثار هذا الحديث؟ قبل ايام زرت (صديقة العمر) التي تربطني واياها علاقة عميقة تزيد على عشرين عاماً، جمعتنا فيها مواقف فرح وحزن، وكانت كل منا سندا للاخرى. وصديقتي، كالكثير من العراقيين، شهدت ظروف البلد في السنوات الاخيرة، والتي تركت تأثيرها عليها فتغيرت مفاهيمها وآمنت بالحكمة العراقية الجديدة (من ليس معي فهو ضدي)، فصار الدين هو معيارها في الحكم على الناس والامور، والدين في زمننا هذا لم يعد مسألة (ايمان) او حتى صلاة أو صيام، بل مظهر وسلوك وتبعية عمياء للطائفة. وهكذا صار امراً طبيعياً ان نسمع ان والد فتاة اعرفها رفض زواجها من (شيعي) مفضلا ان يزوج ابنته ليهودي، وان ترفض سيدة زواج ابنتها من (سني)، فهذا ب (قرون)، وذاك ب (ذيل) وتلك (شروكية) وهكذا، ضيعنا الانسان!!
يذكرني كل هذا بمقولة الكفار في بعض الافلام الدينية (مال هذا الدين وقد جاء ليفرق الابن عن ابيه والرجل عن زوجته)، والغريب ان هذه المقولة عمرها اربعة عشر قرناً، ومازال الدين، الذي جاء للهداية والحب والسلام، سببا في التفرقة. وبالطبع ليس الخلل في الدين، بل في عقولنا التي مازالت تحمل خيالات مريضة عن بشر ب (ذيول) و (ٌقرون)، مهملة الجانب الانساني فيهم.
بشرى الهلالي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة