المستجدات في أسواق الطاقة وتداعياتها الجيوسياسية المحتملة

أوراق بترولية
الحلقة الأولى
في بحثه المتواصل في الشأن النفطي والاقتصادي ، سبق وان أصدر الباحث لهب عطا عبد الوهاب كتاباً بعنوان “اوراق بترولية”، تناول فيه الصناعة النفطية في ضوء توقعات اقتصادية حول انبلاج عصر جديد من عصور الطاقة تكون فيه الغلبة للوقود غير التقليدي ، وتحول دول كبرى من الاعتماد على استيراد الوقود الى انتاجها من النفط والغاز الصخريين الى حد الاكتفاء ، وما قد يسبب ذلك من اضطرابات مالية واقتصادية للدول التي تعتمد أساساً على انتاج النفط .
ونظرا لأهمية المعلومات والاستنتاجات الواردة في البحث ، تنشر “الصباح الجديد” بالاتفاق مع الباحث أبواب الكتاب على حلقات متسلسلة.

لهب عطا عبدالوهاب

الخلاصة التنفيذية
يسود الاعتقاد اليوم لدى العاملين في الصناعة البترولية إلى قرب أنبلاج عصر جديد من عصور الطاقة تكون الغلبة فيه للوقود غير التقليدي، لا سيما بعد النجاحات التي تحققت في الولايات المتحدة الأميركية في تفتيت الصخور الرملية لإنتاج ما يعرف بالنفط والغاز الصخريين وتشير المرئيات المستقبلية الى ان أميركا الشمالية ستصبح مكتفية ذاتياً بالطاقة، بل انها ستتحول إلى مصدر صاف خلال العقود القادمة، وهو ما سيقلل من أعتمادها بشكل كبير على وارداتها الشرق أوسطية عامةً والسعودية منها خاصةً. إن هذا التحول في موازين القوى الطاقوية سيجعل من الشرق الاوسط ودول الخليج العربي بنظر بعض المنظريين الاستراتيجيين تحتل مرتبة أدنى ضمن سلم أولويات الأمن القومي الاميركي لاسيما مع بروز القوى الناشئة في آسيا (الصين والهند) والتي ستتنافس معاً لملئ فراغ أو المشاركة في ذلك جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة.
إلى ذلك أدت الاحتجاجات الشعبية التي طالت نظم راسخة في دول الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، وهو ما بات يعرف بـ “الربيع العربي”، إلى خلق حالة من عدم اليقين في المستقبل، لاسيما وإن المنطقة العربية تستأثر بحوالي ثلثي الاحتياطيات النفطية المؤكدة والتي تربوا على 800 مليار برميل. إذ إنتاب العديد من العاملين في هذه الصناعة هاجس مزدوج يتمثل في توقف الإمدادات وغلق منافذ التصدير الرئيسية في الخليج العربي (مضيق هرمز) والبحر المتوسط (قناة السويس).
وقد أفضت هذه المخاوف إلى حدوث زيادة تصاعدية في الاسعار إذ تجاوز متوسط سعر خام برنت المرجعي حاجز الـ 100 دولار للبرميل لأغلب فصول السنة. بيد أن هذه الهواجس ثم تبديدها مع إستمرار التدفق الآمن للأمدادات دون توقف حتى ولو ليوم واحد فقط، إذ عملت السعودية والدول الخليجية الأخرى على زيادة الإنتاج للتعويض عن النقص في الامدادات التي سببها التوقف المؤقت للإنتاج الليبي والتناقص الحاد في الصادرات الايرانية وذلك لمقابلة النمو في الطلب العالمي الآخذ في الاتساع بعد خروج الدول الصناعية من أسوء أزمة اقتصادية لم تشهد مثيلاً له منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.
وقد خرجت الدراسة بعدد من الاستنتاجات لعل من أبرزها:
• إن الزعم بأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما فيها منطقة الخليج العربي هي منطقة لايمكن الوثوق بها كمّورد آمن للأمدادات يتناقض مع الوقائع على الأرض لاسيما وأن المشاهدات التاريخية عبر عقود عديدة خلت تشي بأن المنطقة لم تشهد إنقطاعاً يذكر في الامدادات، بل على العكس من ذلك فإن الدول الخليجية المنتجة تمكنت من خلال لعب دور مايعرف في أدبيات الطاقة بـ “المنتج المرجح” من زيادة الانتاج عند حدوث تطورات طارئة تهدد بوقف الامدادات، كما حصل إبان الحرب العراقية الإيرانية أو عند غزو العراق للكويت. ويمكن أن نجزم بأن الاستثناء الوحيد لذلك، هو ما شهده الانتاج من توقف في عام 1973 نتيجة لاشهار العرب سلاح الحظر النفطي بشكل ناجع، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، وهي تجربة يصعب تكرارها في الوقت الحاضر.
• حرص الولايات المتحدة على تأمين التدفق الآمن للامدادات من النفط والغاز لحلفائها الغربيين في خلف شمال الأطلسي (الناتو). إن الفراغ الأمني المزعوم الذي سيولده انسحاب الولايات المتحدة من منطقة الخليج العربي لا يجانبه الصواب ولا يستقيم مع منطق الاحداث، اذ ستبقي الولايات المتحدة معنية بشكل كبير بتأمين المرور الآمن للناقلات العملاقة التي تمخر عباب مضيق هرمز والذي تمر من خلاله أكثر من 17 مليون برميل يومياً، وما تواجد الاسطول الخامس البحري في مياه الخليج الدافئه، والذي يتخذ من مملكة البحرين مقراً له أبلغ دليل على ذلك.
• وأخيراً فإن دول المنطقة لما تتمتع به من احتياطيات نفطية وغازية مؤكدة ستبقى اللاعب الأهم في ميادين صناعة الطاقة، ولسنوات عديدة مقبلة، لاسيما وأن الوقود الاحفوري سيبقى الوقود المهيمن ضمن مزيج الطاقة العالمي، رغم الجهود التي تبذل في هذا المضمار لإحلال الطاقات البديلة كالطاقة المتجددة، محلها.

الباب الأول

الوقود الصخري
منافس جديد في الافق

المحور رقم 1: التحولات في مراكز الطاقة العالمية
وتداعياتها الجيوسياسية المحتملة
إن علاقات الطاقة الدولية عبر السنوات الخمسين الماضية كان يحكمها “ثنائية قطبية” تتجلى في العلاقة بين الدول المنتجة في دول الشرق الأوسط (الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي بالاضافة إلى العراق وإيران) من ناحية، والدول الصناعية المستهلكة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من ناحية أخرى.
بيد أن هذه “الثنائية” تواجه اليوم تحديات كبيرة نتيجة لتضافر العديد من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية. وقد أفضت هذه العوامل إلى “ولادة” مراكز طاقة جديدة أذ ظهرت في السنوات الأخيرة مراكز أستهلاك جديدة في جنوب وشرق آسيا، ناهيك عن أن تراجع الطلب على الطاقة في كل من الولايات المتحدة وأوروبا قد أدى إلى تحول البوصلة في خارطة الطاقة العالمية نحو الشرق.
إن هذه الرؤية تعزز منها لغة الأرقام، أذ وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية IEA فإن الدول خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ستستحوذ على 93% من معدل النمو في الطلب على الطاقة للفترة بين 2008 وحتى 2035، ومن المتوقع أن تشهد قارة آسيا تضاعفاً في طلبها على الطاقة خلال الفترة ذاتها، في حين أن الصين والهند بمفردهما ستستحوذان على الثلث والخمس من الزيادة في الطلب العالمي على التوالي.
في المقابل، فان حصة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من الاستهلاك العالمي للطاقة التي بلغت 70% عام 1965، هذه الحصة مرشحة للانخفاض لتصل إلى 40% بحلول عام 2035.
إن الانخفاض في أستهلاك الطاقة في الدول الأعضاء في منظمة التعاون والاقتصادي والتنمية، مقروناً بـالزيادة في الانتاج المحلي من النفط الخام في الولايات المتحدة والدول الاخرى في نصف الكرة الغربي قد أفضى إلى تسريع التحول الكبير في توجه التدفقات النفطية من الغرب إلى وجهة شرقية آسيوية والتي ستصبح مركز الاستقطاب الرئيسي لصادرات دول الشرق الاوسط.
إن هذا التحول الجغرافي يحمل في طياته تداعيات أقتصادية وأستراتيجية في غاية الأهمية لعل من أبرزها(1):
أولاً: بروز تعريف جديد لمفهوم “أمن الطاقة”.
من التداعيات التي يمكن تأطيرها جراء التحول الجغرافي لمراكز الطاقة في العالم هو بروز مفهوم جديد لما يعرف بـ” أمن الطاقة” Energy Security . اذ كان ينظر لهذا المفهوم في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية لاسيما في الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية والتي شهدت نمواً أقتصادياً كبيراً بعد الجرعة الاقتصادية التي تلقتها الدول الأوروبية فيما يعرف بـ “مساعدات مارشال” لاعادة إعمار أوروبا من الدمار التي خلفته الحرب الكونية الثانية. والتعريف السائد في تلك الفترة لأمن الطاقة هو القدرة على توفير كميات كافية من الطاقة – بالدرجة الاساس النفط الخام – بأسعار تلبي رغبات المستهلك. بيد أن تحول الاستهلاك نحو الشرق جعل من التعريف السابق لا يستقيم مع واقع الحال. اذ ينظر إليه اليوم في الدول الاسيوية الواعدة كالصين والهند من زاوية قدرة الطاقة من “الوصول” access إلى السكان بما يعمل على تحقيق التنمية الأقتصادية المستدامة والاستقرار السياسي.
أما في الدول الصناعية الآسيوية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتأمين حاجاتها من الطاقة كما هو الحال في اليابان وكوريا الجنوبية فإن أمن الطاقة يعني لهما تأمين الكميات الكافية من النفط (والغاز الطبيعي المسال LNG) بأسعار تمكنها من الاحتفاظ على قدرتها الصناعية التنافسية.
ومع بروز خارطة طريق جديدة للطاقة والتي تتجلى في أنخفاض الطلب على النفط من الدول الغربية لحساب الدول الآسيوية الواعدة، التي ستصبح الوجهة الأولى لصادرات الدول الشرق الأوسطية من النفط والغاز. إن هذا التحول في مراكز الاستهلاك إلى وجهة شرقية يحمل في طياته مخاطر عديدة، إذ بالرغم من الاقتصادات الاسيوية الواعدة لاسيما أقتصادات الصين والهند التي تشهد نمواً أقتصادياً مضطرداً، الا أن هناك بعض المؤشرات التي تلوح في الافق تشي بحدوث بعض التراجع. إذ يؤرق الحكومة الصينية على المدى القصير العديد من التحديات منها الآثار المحتملة للتضخم النقدي على ثقة المستهلكين، أما على المدى الطويل فتواجه الصين تحدي ديموغرافي مع أقتراب نسبة لايستهان بها من السكان من عمر، الشيخوخة وهي مشكلة يفاقم منها السياسة السكانية المتبعة من قبل الحزب الشيوعي الصيني منذ عقود عديدة ماضية والمعروفة بـ سياسة الطفل الواحد للعائلة الواحدة لتحديد النسل لاسيما بعد أن تجاوز سكانها المليار نسمة. أما في الهند فإن التجاذبات السياسية قد حالت دون المضي قدماً في الاصلاحات الاقتصادية بما في ذلك تحرير أسواق الطاقة.
إن هذه المخاطر لابد أن تؤخذ في الاعتبار من قبل الدول المنتجة التي أعتادت أن تتعامل مع الاقتصاديات الغربية ذات الشفافية العالية. إن هذا التحول في الطلب نحو الشرق ستفضي إلى بروز تحديات سياسية جديدة لم تكن موجودة في السابق ناهيك عن درجة عدم اليقين التي سترافق عمليت التحول هذه.
ثانياً: تراجع أعتماد الولايات المتحدة على وارداتها النفطية الشرق الاوسطية وتداعياتها الجيوسياسية المحتملة.
كان لتضافر ثلاثة عوامل رئيسية دوراً محورياً في تقليل أعتماد الولايات المتحدة على النفط وغاز الشرق الاوسط وهذه العوامل هي:
(1) إنخفاض الطلب المحلي والاستهلاك:
أدت زيادة الكفاءة في المركبات والتي وصلت في السيارات الخاصة إلى أكثر من 27 ميلاً للغالون الواحد إلى انخفاض الطلب المحلي لاسيما وأن قطاع المواصلات يستهلك أكثر من 70% من المشتقات النفطية المستوردة (الغازولين والديزل). وتفيد البيانات الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة (EIA) الذراع الاحصائي لوزارة الطاقة الامريكية الى انخفاض الطلب على النفط عبر السنوات الخمس المنصرمة ليصل إلى 19 مليون برميل / يومياً عام 2011 مقارنة بـ 21 مليون برميل / يومياً عام 2007. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الطلب المحلي على النفط قد وصل ذروته، وبالتالي فأن الطلب سيأخذ بالتراجع بمقدار 1% سنوياً حتى عام 2035.
(2) الزيادة في الانتاج المحلي:(2)
لقد تمكنت الولايات المتحدة من خلال توظيف تفنية حديثة تعرف بـ عملية التكسير الهيدرولكي Hydraulic Fracturing Process من أنتاج مايعرف بـ “السجيل النفطي” Oil Shale والتي تفيد الدراسات إلى أن الولايات المتحدة مقبلة على زيادة إنتاجها منه، وبمعدل سنوي يقدر بحوالي 200 ألف برميل يومياً حتى عام 2020. كما أن الولايات المتحدة تشهد تطوراً لافتاً في إنتاج ما يعرف بـ الغاز الحجري. وقد عملت هذه التطورات التقنية إلى تراجع درجة أعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد Oil Import Dependence إلى ما دون 50%، وهو المستوى الأدنى له منذ ما يزيد على العقد من الزمن.
(3) زيادة إنتاج الطاقة في نصف الكرة الغربي:
إن الزيادة في إنتاج الطاقة التي خبرته الولايات المتحدة مؤخراً، رافقته زيادة في إنتاج النفط في الدول المجاورة لها وبالدرجة الأساس كندا والبرازيل، إذ تشهد الأولى زيادة في أنتاجها من الرمال النفطية Sand Oil (في مقاطعة البرتا) في حين تشهد الأخيرة زيادة كبيرة في انتاجها في المياه العميقة (المغمورة)، حيث تمكنت التقنيات الحديثة من التنقيب عند أعماق تصل إلى 5000 متر. أن صادرات الدولتين المذكورتين مرشحه للأرتفاع لتصل إلى 5 مليون برميل يومياً خلال السنوات القليلة القادمة أو ما يمثل أكثر من ضعفي وارداتها (واردات الولايات المتحدة) من دول الشرق الاوسط (السعودية والكويت والعراق).
أن العوامل الثلاث المذكورة ستفضي إلى تراجع ملموس في وارداتها من الشرق الاوسط والتي كانت تاريخياً المبرر الرئيسي لتواجدها العسكري والاستراتيجي في المنطقة.

الشكل رقم ( 1 ) تطور صافي الواردات من النفط الخام (2000 – 2035)
بيد أن الاهتمام بنفط الشرق الاوسط سيبقى قائما لاسيما وان تجارة النفط تأخذ اليوم منحى عالمياً، ومن مصلحة الدول العظمى اسقرار الدول الصديقة لها في المنطقة، وهو ما سيبقي أستمرار أهتمام الولايات المتحدة بسلامة أمن الامدادات الشرق اوسطية ولعقود عديدة قادمة.
في المقابل تشير بعض الدراسات إلى أن الولايات المتحدة التي تشهد ضغط كبيراً في موازناتها الدفاعية، ناهيك عن “الانهاك” الذي أصبح يدب في صفوف المواطن الأمريكي جراء التدخل العسكري في أماكن نائية والذي ترتب عليها كلفه بشريه باهظة كما هو حاصل في العراق (سابقاً) وأفغانستان، فإن هناك ضغوط متزايدة أما للحد من تواجدها في المنطقة أو المشاركة في عبء توفير الأمن بالإشتراك مع الدول الآسوية الواعدة. ويبقى السؤال المهم الذي يشغل بال العديد من المخططين يتمحور حول الدور الذي يمكن للصين (والدول الآسيوية الأخرى) أن تلعبه. فهناك من يذهب إلى أن دور الصين سيكون دوراً متمماً للتواجد الأمريكي، في حين يذهب فريق آخر إلى أن الصين ستدخل في منافسه مع الولايات المتحدة “للظفر” بهذه المهمه، الأمر الذي سيخلق تداعيات استراتيجية لا على نطاق المنطقة فحسب بل سينسحب ذلك ليشمل أسواق الطاقة العالمية برمتها.

1 – لمزيد من التفاصيل انظر:
Brookings Doha Energy Forum 2012 Policy Paper.
2. Amy Myers Jaffe, The Americas, Not the Middle East Will Be the World Capital of Energy, Foreign Affairs, September/October, 2011.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة