غودار.. أكثر من ثلاثة أبعاد

وداعاً للغة

بشار كاظم

في احدى الحوارات الصحفية مع المصور السويسري (فابريسأرانيو)، الذي عمل في آخر ثلاثة أفلام للمخرج الفرنسي الكبير (جان لوك غودار)، ذكر بأن «السينما لم تمت كما يحلو القول لكثيرين، بل بالعكس، نحن لانزال في البداية، وهناك الكثير من الأمور التي هي بحاجة إلى الاستكشاف، لكن لابد لنا من التوقف عن السير في نهج مرسوم» . ويبدو ان هذه الرؤية التجريبية المغامرة هي الاساس الذي اعتمده غودار في شراكته مع أرانيو، والتي بدأت منذ تعاونهم الأول في فيلم «Notremusique» ثم عاودوا التجربة لاحقا في « Film socialism» وصولاً الى عملهم الاخير والمعنون « Goodbye to language» الذي قدموا من خلاله تجربة فلمية فريدة لن تنفك عن اثارة الجدل والرؤى المختلفة حول نوعية ألافلام التي يقدمها مخرجاً يمثل واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ السينما العالمية .
يستمر غودار في «Goodbye to language» في نهجه التجريبي الذي اعتمده منذ بداياته والمتمثل في مغايرات ومغامرات جريئة تهدف الى هدم البناء السينمائي الشكلي السائد طوال تجربته الفنية والابداعية منذ خمسة عقود من الآن، وعملية الهدم الخلاقة التي يمارسها تحدث بمعونة مايحمله من أفكار و تساؤلات سياسية وأجتماعية وفلسفية متعددة، دائماً مايحاول زجها بتكثيف في أفلامه، إضافة الى تمرده على انساق البناء الفلمي كثوابت المونتاج واساليب التصوير السينمائي المعتادة. في هذا العمل يجرب غودار في حقل التصوير الثلاثي الابعاد ( 3d) ليخلق لهذه التقنية اشتغالاً فلسفيا ودرامياً خارج نمطية التوظيف الجمالي الشائع في النتاجات الهوليودية الحديثة، حيث تتابع كاميرات غودار– صور الفيلم بعدة انواع من الكاميرات ومنها الاستعانة بكاميرا جهاز الموبايل–قصة زوجين مختلفين في افكارهم ومدى الانقسام في خطابهم المشترك، وكلبهم الذي يتنقل بين المدينة و الجداول والغابات، اضافة الى العشرات من الصور ومقاطع الفديو الوثائقية والملتقطة خلال جولات لأرانيو، هذه التوليفة الصورية المعقدة لا تشكل في مونتاجها قصة او حدثاً نمطيا متسلسلاً، وانما هي تضارب لعدة افكار مختلفة تشكل رؤية غودار، صاحب الاربعة وثمانون عاماً، للتاريخ والمستقبل ومدى التحولات التي تطرأ على الخطاب البشري وجوهر التفكك في عصر يفترض ان التواصل والتقارب سمته الاكثر تميّزاً.
ينتهج غودار في هذا الفيلم طريقته ومحاولاته في طرح مضامينه الجديدة من خلال أشكال مبتكرة. وأن الأشكال المبتكرةعلى (الطريقة الغودارية) تتطلب علاقات مميزة مابين المضمون والشكل، فيستخدم طريقة التصوير ثلاثي الأبعاد والتي تتحقق تقنياً بدمج صورتين معاً داخل الاطار الفلمي الواحد بطريقة مغايرة تتوافق مع المضمون الذي يطرحه، حيث تنفصل الصورتين في أحد المشاهد وتتحول الى صـــورة جديدة تدميرية وخلاقة فـــي آن واحد تعـــزز من ثيمة تفكك الخطاب المشترك التي تشكل المحور الرئيسي في مضمون الفيلم، اضافة الى غرائبية الاشكال والصور عند استخدام ال (3d ) في كاميرا جهاز الموبايل فقيرة الدقة مقارنة بالكاميرات الحديثة شائعة الاستخدام مع هذه التقنية، وهذا النهج ليس بالجديد علــى المخــرج او متابعــيه فمنذ فيلمــه الاول (Breathless) في عام 1960 خلــق غودار ثورة على صعيد الاسلـــوب البصري الفيلمي مـــن خلـــال حركة الكاميــرا وتقنيات المونتاج واهما استخدامــه لأسلـــوب ( jump cuts )، ثورة تقنية مشابهة لأفكاره الفلسفية الماركسية في التغيير والتحرر ودعم الحراك الثقافي والسياسي المشابه لهذا الفكر، كيف لا وهو المخرج الذي اعتقل من قبل الشرطة الفرنسية برفقة كاميرته في نهاية ستينات القرن الماضي .
ومثلما بين (أموس فوغل) في كتابته عن غودار « لتحليل كل تجديدات هذا المخرج المبدع من ناحية الأسلوب، يحتاج المرء الى اعداد دراسات مستقلة لجميع افلامه، ……الحبكة والسرد يتواريان خلف اهتمامات غودار بجوهر السينما والواقع، وتنقيبه في المشاكل والتصورات والتناقضات المعاصرة..اي محاولة أسر الالتباسات والتشوشات العصرية، الــذي هــو طرف مشارك فيها الى حد بعيـد.»
وبذلك فأن اي فيلم لغودار يمثل رؤى مفكر موسوعي عن عصره، مفكر يهتم بالتاريخ ولايمكن فصل اعماله عن الفترات الزمنية لانتاجها، وهي اعمال لا تُفرض عليها سطوة وقيود التقييم الايجابي او السلبي كونها تجارب متفردة ومغايرة تؤسس لمفاهيم جديدة تتجاوز نتاجاتها، في أحيان كثيرة، منظومة هذا المخرج الخلاق .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة