الأخبار العاجلة

الجنس بين التلميح والتصريح في الرواية العربية

طنجة – الكبير الداديسي:

شكل الجنس تيمة أساسية في الكثير من الأعمال الإبداعية منذ القديم، يكفي القول أنه يكاد يكون من الصعب وجود عمل قصصي لا يتضمن إشارات جنسية، بما في ذلك الملاحم والأساطير القديمة، وحتى قصص الأنبياء والرسل في الكتب السماوية، كما تجلى في قصص يوسف مع زوجة العزيز، وقصة سليمان مع بلقيس، وقصة لوط.
والرواية العربية على حداثتها لم تكن بمنأى عن الخوض في مسألة الجنس، وإذا كانت الروايات الكلاسيكية قد عالجت المسألة من خلال التركيز على التيمات المألوفة المرتبطة الزواج/ الخيانة/ الفحولة/ معاناة أحد الطرفين من عجز الشريك أو عدم إشباعه للغريزة الجنسية، وتأثير ذلك على أحد الشريكين نفسيا اجتماعيا وثقافيا، باللجوء إلى التلميح أكثر من التصريح كما تجلى في كتابات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهما من كتاب القصة، فإن ما كتبه محمد شكري في (الخبز الحافي) قد مهد لرفع الحجاب، ومهد الطريق لروايات تناولت المسألة الجنسية بجرأة انتهكت حرمة الموروث الحكائي العربي في مقاربة الجنس وتجاوزت التلميح إلى التصريح. فجاءت الرواية المعاصرة أكثر جرأة في وصف المشاهد الإباحية، وتسمية الأعضاء الجنسية بمسمياتها يتساوى في ذلك الكتاب من الجنسيْن في مختلف الأقطار حتى تلك التي ينظر إليها على أنها مجتمعات مغلقة ومحافظة كدول الخليج واليمن، بل أكثر من ذلك لم تكتف الرواية العربية المعاصرة بمقاربة الجنس وحده بل تجاوزت المعهود لرمي الأبطال نحو الحدود القصوى للممارسة الجنسية كما فعلت الكويتية فوزية شويش السالم ببطلي روايتها (سلالم النهار) إذ جعلت البطل يجرب مع زوجته الحدود القصوى وكل ما خطر بباله في علاقة امرأة برجل، كما تجاوزت الرواية المعاصرة وصف الجنس في صفوف الداعرات والشباب، إلى النبش في جنس الفئات المتدينة التي تُظهر للعموم أن الجنس آخر اهتماماتها ما دامت اختارت الظهور بمظهر المسوح الدينية، فحاولت سبر أغوار التفكير الجنسي لدى المحجبات وشغفهن للجنس (كما في رواية (حرمة) لليمني علي المقري حيث كل هم البطلة المتدينة الظفر بعلاقة جنسية ولو عن طريق تعرضها لاغتصاب جماعي). والهوس الجنسي عند المشرفين على المساجد والزوايا الدينية، كما في بطل رواية (زوج حذاء لعائشة) حيث البطل إمام المسجد والخطيب الديني مزواج كل همه الجنس واغتصاب زوجاته .
إن المطلع على ما يصدر في الرواية العربية المعاصرة يدرك وكأن الرواية – دون غيرها من الأشكال التعبيرية – قد حملت على عاتقها الخوض في غمار المسألة الجنسية في وقت التزمت المؤسسات الرسمية والمجتمعية، من إعلام ومدارس وأسر وأحزاب ونقابات وجمعيات، الصمت تاركة الأفراد كل يحل مشاكله الجنسية بمفرده.
لقد تمكنت الرواية المعاصرة من تجاوز النظرة التقليدية للجنس حيث الرجل هو الفاعل الوحيد في العملية، فأتاحت للمرأة التعبير عن رأيها الجنسي سواء من خلال الكاتبات أو من خلال شخصيات فنية مبتكرة، ساهمن في تخفيف حدة مفهوم الجنس في واقعنا، وأصبحت الروائيات يتحدثن عن الجنس قبل الزواج، يبحن بالحاجة إلى الجنس، والرغبة في إشباع غريزتهن الجنسية دون الشعور بالذنب أو الإحساس بالإثم، في تمييز بين البكارة الدينية رأسمال الفتاة الوحيد التي تمنع أي تجربة جنسية قبل الزواج وافتقادها يعني ضياع مستقبلها كما كان مصير سديم الحرملي في رواية (بنات الرياض) للسعودية رجاء عبد الله الصانع. والبكارة التوافقية التي تسمح بتجارب جنسية دون افتضاض مثلما قدمت نبيلة الزبير من خلال بطلتها (رجاء) في رواية (زوج حذاء لعائشة).
وتعد رواية (العفاريت) لإبراهيم الحجري كنموذج يتقاطع فيها الجنس والدين وهي عينة لاتجاه له حضور في الرواية المعاصرة يعكس (رؤية للعالم) العربي من زاوية معينة. وفيها يقوم الكاتب بالتكثيف والمزاوجة بين رواية تتمحور حول المقدس، وأخرى لا تدور إلا حول ما هو مدنس جاعلة من الدين والجنس خيطا رابطا بينهمـا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة