عمر محفوظي.. رؤية تشكيلية واعدة

متابعة ـ الصباح الجديد:
فرضت التجربة التشكيلية للفنان عمر محفوظي ظلالها على الساحة الفنية المغربية .فغدا هذا الاسم الطنجاوي علامة فارقة في تاريخ الفن المغربي المعاصر وصوتا مؤثرا ينتج معرفة تشكيلية من خلال حواراته المتواترة في الدوريات الناطقة باللغة الفرنسية والانجليزية.
يعد عمر محفوظي الاسم الأبرز في حلقة “مقهى باريس” التي تضم حمزة حلوبي، زكرياء رمحاني، محسن نقاري وكارلوس ايبارا، لجهوده الحثيثة لبناء صرح تشكيلي ينأى عن الاستلاب المتمثل في استنساخ اخر صيحات التشكيل الغربي، كما هو الحال عند زكرياء رحماني والياس سلفاتي، كما يحاول في نفس الوقت عدم السقوط بين براثن الاختلاف المتوحش عبر تضمين العمل التشكيلي هواجس ثقافية هوياتية بشكل رطين ومتكلف، كما هو الحال عند الفنان فريد بلكاهية من جيل الرواد و يونس بن رحمون من جيل الشباب .
يحمل عمر محفوظي وعيا مزدوجا تجاه العلاقة بين التشكيل وسؤال الهوية، لا يريد ان تبتلعه المركزية الاروبية وفي ذات الوقت لا يريد الانغماس في هوية مغرقة في الخصوصية، أعمال محفوظي تقيح في فضاء الهجنة بين الأنا و الأخر بين الهنا و الهناك.
ولد الفنان عمر محفوظي في مدينة طنجة ربيع 1981، تلقى أولى تدريباته على الفن التشكيلي في الثانوية التقنية مولاي يوسف على يد خيرة التشكيليين أمثال بندحمان و البراق و الفيلالي، كما خاض تكوينا ميدانيا في تربص تشكيلي في جامعة بروكلين صيف 2008.
احتفل عمر محفوظي في بدايته (2000 – 2003) باللون وراح يبحث له عن خصوصية لونية تميزه وهو نفس الهاجس الدي انتاب رفيقيه في جماعة “راس الدرب ” (لم تعمر طويلا ) (2000-2001)، حمزة الحلوبي و زكريا الرحماني، الأول انتقى لنفسه اللون البنفسجي والثاني اصطفى له اللون الأسود، اما عمر فراح يتقلب مع جملة من الالوان الحارة متماهيا في تلك المرحلة مع هنري ماتيس، بول فان غوخ، فريدا كالهو.
في هذه المرحلة المندفعة، حاول عمر النهل من الانطباعية و التكعيبية و البرية و التعبير عن لواعجه الوجودية في لوحات (cm20*30) متعاقبة، ينظمها التوليف بين شقاء الخطوط و شطحة الألوان كتعبير استعاري عن قلق الكينونة رغم بهرجة الحياة على حد تعبير الناقد التشكيلي مراد امنكور.
رؤية عمر محفوظي التشكيلية بدأت سنة 2003 بمعرض في رواق دار الفن، ضم اعتمالا تئن بروح بايكونية (نسبة الى فرنسيس بايكون) تؤجج الحواس الخمس بألوانها المتنافرة، عمل على بورتريهات شقية، هلامية القسمات مرسومة بلطخات حادة، قاسية واسلوب بري طافح بالجدة مقوضا مفهوم المحاكاة .
اثار هذا المعرض انتباه الناقدة التشكيلية والشاعرة الفرنسية نيكول بونتشرا، فكتبت في سجله الذهبي: “رؤيا تشكيلية واعدة، الفكرة تشاكل اللون والتنكيك والخطوط في انسجام حريف، هنيئا للمشهد التشكيلي العربي بهذا الشاب الواعد .”
اتخذ عمر محفوظي الحبر الصيني وسيلة لإنتاج جمالية جديدة، أطلق العنان للحبر ليقاوم البياض و يداعبه في الوقت ذاته و ينتشر برعونة وعفوية على صفحته. يجد المتلقي نفسه أمام صيرورة و تشكل فني يقاوم السكونية التي رسختها الأعمال الفنية التي تمخضت عن نظرية المحاكاة. فهاجس محفوظي في هذا العرض هو رصد حركة الحبر على الورق الزجاجي، من الوحدة الى الانتشار من الثبات الى التحول، من النقطة إلى الشكل .تتمظهر على صفحة الورق الزجاجي الصقيل تناسخات فنطازية، فالإنسان بلطخة يتحول إلى شجرة تصير ذئبا و الذئب ينبعث نارا و هكذا دواليك.
كان به يروم استنباط إللاوعي الإنساني من خلال أعمال تتقاطع مع الفن التصوري art conceptuel الذي تتقدم فيه الفكرة على شكلها .
يحاول محفوظي أن يبرز في حبرياته ان العالم ليس قارا ساكنا فهو متحرك يغلي بالمتناقضات.
في رواق ماتيس بالدار البيضاء (2013) خاض محفوظي غمار تجربة فريدة ورهانا صعبا وهو التعبير عن الحركة في قلب السكون عبر تنقيب رسوم حبرية ثابتة وتصفحها بشكل سريع في كنانيش ورقية محدثا صورا متحركة، كان به يكرم الرائد جورج ميليس أول من ابتدع السينما من خلال الصور المتحركة.
في حديث سابق في مقهى باريس ضغط عمر محفوظي على العبارة التالية : “انا دائم السعي عن لغة تشكيلية استعين بها لينتقل إحساسي المباشر بالعالم والاشياء و الذوات إلى أفكار ….” الفكرة تحتل الصدارة في منجزه التشكيلي المتجدد مبنى و معنى.
اشتغل مؤخرا في رواق (طنجة 25-2-2015) على حضور الفترينا (الصوان) في المتخيل الفردي و الجماعي للطنجاويين متخذا منها سندا ذكيا يرصد تحولات المكان والمتعة عند ساكنة مدينة طنجة، فهده القطعة من الأثاث تضم البوم العائلة بانكساراته و أفراحه، كما تحتوي الكتب الدينية المسفرة بعناية (تحفة العروس، تفسير الطبري، أهوال القبور) وتماثيل بسيطة مجسدة لعناصر من الطبيعة الصائتة (كلب، حصان، جمل) وتلفاز بالابيض والأسود يبث بياضا مرقطا بنقط سوداء خافتة. هذدا المشروع او بالأحرى الإنشاء التشكيلي الجديد بالنسبة لهدا الفنان الطنجاوي مشروعا فنيا ذكيا يطوره وينقعه حتى أضحى خلطة فنية باهرة تجمع بين التصوير الضوئي و الاستعراض السمعي و الموسيقى و الرسم و المسرح و النحت و السينما.
ولج الفنان عمر محفوظي صغيرا الى عوالم فنون الحداثة و ما بعدها، او ما يطلق عليه في الأروقة الفنية (اصطلاح الفن المفاهيمي )، الذي يمنح التشكيلي حرية التشكيل و التعبير بالمواد و الخامات التي يريد و بالشكل الذي يبتغيه فنعاين سفر المحفوظي بين أسانيد متنوعة : اللوحة، الكناش، الزجاج، الجدار، الفيديو، الحاسوب، وخامات متباينة: ألوان زيتية، الوان مائية، حبر صيني و الفحم
كما يمكن للمتأمل لتجربة الفنان عمر محفوظي و تحولاتها أن يرصد حالتي التشظي و التجديد المميزتين له .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة