الذاكرة في الأمة كالذاكرة في الإنسان

فرق بين الامة التي تستعمل ذاكرتها وتلك التي لا تستعملها، هو كالفرق بين «الكومبيوتر» والالة الكاتبة. فالاول –خلاف الثاني- يخزن حجماً غير متناه للمعلومات والتجارب والنظم تمنحك قدرات هي مجموع جهود غيرك.. فتستطيع استرجاع الذاكرة والعودة من حيث توقفت لا لتبدأ من جديد.. ولتستكمل ما يقوم به غيرك.. ولاستحضار كم هائل من المعادلات المعقدة تستثمرها في حقول قد لا تكون متخصصاً فيها فتبدع وتتقدم مع قدرة عظيمة في تصحيح الاخطاء، وسرعة الحسابات والاستنتاجات والابحاث لتسترد او تأخذ اموراً قديمة وجديدة بذلت عليها، كما بذل غيرك جهوداً كبيرة، فاصبحت منجزاً عاماً لمصلحة الجميع.
فالذاكرة في الامة كالذاكرة لدى الانسان.. ان فقدها فانه يتحول الى انسان تائه ضائع لا يستطيع العيش والنمو الا بمن يرعاه ويأخذ بيده.. فبقدر الذاكرة التي تمتلكها الامم تكون مستويات التقدم والنجاح واستخلاص التجارب الناجحة والابتعاد عن الفاشلة. عندما تصدرنا امم العالم كنا كما يصنفنا الكاتب الفرنسي المعروف روجيه او رجا غارودي (بعد اسلامه) امة موسوعية تمتلك حافظة معرفية واسعة اختزنتها عبر الاجيال.. فراكمت المنجزات وسجلت الاخطاء فاستطاعت ان تتقدم العالم. اما اليوم فنحن امة ضعيفة الذاكرة والحصانات.. نكرر الاخطاء ولا نراكم النجاحات، ونفشل في استحضار التجارب الناجحة او الفاشلة للاخرين.. لهذا نخدع انفسنا ويسهل خداعنا.. فمع كل عهد جديد ندمر بعض ما انجزه من سبقنا.. ونكرر الانحرافات التي قادته للهاوية.. وكأن شعبنا مجرد اوراق تلفها اسطوانة الالة الكاتبة، بعد ان تعصب عيونها بشريط اسود، لتنهال عليها احرف البيانات الكاذبة ضرباً، لتسحب من رأسها بعصبية.. ولتكبب وترمى في سلة المهملات مع زميلاتها السابقات.
لننظر لعراقنا.. كم بذلنا من التضحيات في الاموال والنفوس لتحقيق الاستقلال، ولمقاومة الظلم والاستبداد، ولاعمار البلاد، والارتقاء بشعبنا لمصاف الامم الراقية. فبدلاً من ان نجعل مدننا اجمل.. ومدارسنا ارقى.. ومصحاتنا افضل.. ومعاملنا ومزارعنا وبنانا من حال لحال احسن.. وحرياتنا وحقوقنا ومؤسساتنا وقضائنا ووحدتنا من وضع لوضع افضل.. نرانا نراوح بل احياناً نتأخر. فان تقدمنا ببطء في حين العالم من حولنا يتقدم بسرعة كبيرة فتزداد الشقة بيننا وبينه، برغم قدراتنا وامكانياتنا. فالقتل والارهاب يسرق اخواننا واخواتنا…. وسجوننا مملوءة.. والبطالة مستشرية.. والفساد يزكم الانوف.. والخدمات معطلة.. ونعد ثم ننسى وعودنا، ولا نُطالب بالايفاء بها.. ونتعايش مع الازمات بدلاً من ان نحلها او ننساها امام ازمات اكبر.. وصداقاتنا لا تنظمها مصالح ومضامين ثابتة، فنحن اكثر شطارة في صناعة الاعداء من صناعة الاصدقاء، او في الاقل الحفاظ عليهم. فنكرر الاخطاء، ونتشبث بالسياسات والافكار والممارسات ذاتها التي تحافظ على كل ما هو سلبي في اوضاعنا، وترفض كل ما هو ايجابي، من دون تحميل انفسنا اية مسؤولية.. بل دون ان تضع ذاكرتنا خطوطاً حمراً، تمنعنا من تكرار الاخطاء والانحرافات.. وتسمح بمراكمة المكاسب والنجاحات.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة