محنة المؤسسة العسكرية

سلام مكي *

لا نريد في هذا المقال، النيل من المؤسسة العسكرية ولا بخس حقها في الاعتراف بدورها الكبير في محاربة الارهاب والوقوف بوجهه طيلة السنين الماضية، عبر تقديمها الشهداء والجرحى ومسك الارض واتخاذ الاجراءات الوقائية لمنع حدوث اعمال العنف، لكن ثمة حقائق وأرقام، واسئلة، قد يطرحها الرأي العام العراقي والمؤسسات الثقافية والنخب حال تشكلها، تتعلق بالوضع العام لهذه المؤسسة التي تصارع من اجل البقاء، بعد ان تولت جهات أخرى واجباتها الدستورية والقانونية. تصارع من اجل اثبات وجودها وفرض شخصيتها، خصوصاً في جبهات القتال. يروي احد الجنود المشاركين في معارك الفلوجة، ان الجيش عندما يريد التقدم نحو مدينة محتلة، يرفع اعلاما غير العلم العراقي، لأن علم تلك الجهة يدخل الرهبة في قلوب الاعداء، اكثر من العلم العراقي! ويضيف: لولا الدعم العسكري الذي نتلقاه من تلك الجهة، من اسلحة واعتدة وجهد استخباري، لما تمكنا من تحقيق أي هدف لنا! مع العلم ان نسبة كبيرة من الموازنة المالية للدولة العراقية تذهب الى الامن، من دون النظر الى ما حققته تلك النسبة في السنوات السابقة من نتائج على الارض. الجيش العراقي، تلك المؤسسة العريقة، لم تكن بمنأى عن السياسة يوماً، على مدى عمر الدولة العراقية الحديثة ولحد اليوم، كانت سلاحا، بيد القوي، ووسيلة من وسائل التداول غير السلمي للسلطة، فقد كانت مجرد وسيلة لتحقيق غاية وهي الوصول الى السلطة، أما اليوم، فهي بقيت وسيلة، لكن الغاية اختلفت من السلطة الى المال، فمن يدخل الى الجيش، جندياً او ضابطاً، له اولويات، أولها ليس الوطن! وهذا الكلام، لا يشمل الجميع طبعاً، اذ هناك الكثير من الضباط والجنود الذين يعملون بجد واخلاص من اجل الوطن، ويملكون اقوى الاسلحة التي يحتاجها الجندي وهي العقيدة. ما يحسب لصالح الجندي العراقي المنتسب الى الجيش الحالي، والذي يجعله مختلفاً عن منتسب الجيش السابق، ان اشتراكه في المعارك وذهابه الى الموت، كان بمحض ارادته، فالجندي الذي يتخلف عن الالتحاق بوحدته لا يعدم، ولا يوجد هناك جهاز خاص لتعقب الجنود الهاربين من المعارك، مثلما كان النظام السابق يفعله أيام حروبه العبثية. ما تعانيه المؤسسة العسكرية اليوم، يتعلق بكونها اصبحت جزءا من المنظومة السياسية المأزومة، فهي تعاني من المشاكلات ذاتها التي تعانيها السلطة السياسية، ومن اعقد المشكلات التي تواجهها، هي بقاؤها تحت رحمة السياسي، اضافة الى الدستور الذي نص على جعل القيادة العامة للقوات المسلحة بيد رئيس الوزراء، ووزير الدفاع شخصية مدنية لا عسكرية، في وقت يحتاج فيه الجيش الى اعادة تأهيل وبناء، وخبرات وكفاءات، خصوصا وانه جيش فتي، حديث التشكيل، واجه منذ اليوم الاول لتشكيله اشرس واقوى عصابة في تاريخه وتاريخ المنطقة، هذا الجيش يحارب اليوم، عدوا للجميع، بإمكانيات كبيرة، ودعم دولي واقليمي لا محدود. هذه التبعية للنظام السياسي جعلت من الجيش مؤسسة ضعيفة حالها حال المؤسسات الأخرى، تعاني من الفساد الاداري والمالي، لا تملك قيادات مؤهلة، المؤهل الوحيد لقياداته هو الانتماء الى طائفة معينة او قومية فقط، بغض النظر عن الخبرة العسكرية. فثمة مناصب حساسة في الجيش، سجلت باسم طائفة معينة، واعتبرت استحقاقاً، لا يمكن لأي شخص او حزب كان، التجاوز على هذا الحق. كما ان هذه الشخصية، مصونة، لا يجوز ان ينالها القانون، مهما فعلت من جرائم، او ارتكبت مخالفات او تقصيراً في اداء الواجب، لأنها تمثل مكونا بأكمله، وأي مساس به، سيكون مساسا بالمكون كله. المشكلة الاخرى، ان القانون الخاص بها، وهو قانون العقوبات العسكري، لا يكاد يطبق الا على شرائح معينة من العسكريين، من دون غيرهم، اذ هناك فئات غير مشمولة بالقانون للاسباب نفسها التي ادت الى عدم شمول سياسيين بالقانون الخاص بهم! ان المدة التي مرت على تشكيل اول فوج قتالي للجيش العراقي بعد عام2003 والمبالغ التي صرفت عليه، كافية لكي يكون هذا الجيش صاحب الكلمة الاولى في المعارك وله من القوة ما يكفي لأن يستغني عن اي قوة أخرى، اما اذا لم يكن كذلك، فعلى الجهات المختصة ان تدرس الاسباب التي ادت الى انتاج جيش غير قادر على الاعتماد على نفسه في تولي مسؤولياته. لكن: كيف يمكن لجهة مراجعة وتقييم المؤسسة العسكرية، اذا كانت هي نفسها تعاني من ازمات ومشكلات اكثر تعقيداً من مشكلات الجيش؟ كيف يمكن لأشخاص غير مختصين بالشأن العسكري، ان يحققوا في قضايا عسكرية؟ الحل يكمن في القضاء، السلطة القضائية، هي الجهة الاخيرة التي يعول عليها في تصحيح الاخطاء ومعالجة الهفوات التي تحدث في بقية المؤسسات الاخرى، عبر تطبيقها للقانون، وهنا نسأل: هل السلطة القضائية اليوم، لا تعاني من مشكلات؟ هل تملك رصيداً شعبياً لتكون مصدر ثقة للآخرين؟ نعم، يمكن للقاضي ان يصدر أمراً بالقبض على مسؤول عسكري، او سياسي، لكن: هل سينفذ هذا الأمر؟ وهل سيعاقب من لا ينفذ أمر القضاء؟ مشكلات متداخلة، لا يمكن حل واحدة، من دون الاصطدام بالأخرى. ولكن المشكلة ستبقى قائمة، مادامت الطبقة السياسية هي المسيطرة على بقية طبقات المجتمع، ومشكلة العملية السياسية قائمة، مادمت محكومة بمصطلحات: التوافق، الاجماع، المحاصصة، الاستحقاق الانتخابي.. اذ يجب ابدال تلك المصطلحات، بأخرى مثل: الاغلبية، النزاهة، الكفاءة، التكنوقراط.. عندها، ستحل كل المشكلات، بما فيها مشكلات المؤسسة العسكرية.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة