الأخبار العاجلة

لغة ( الجسد ) بوصفه معنى لحركة إيمائية في شعر شينوار إبراهيم

حامد عبدالحسين حميدي

قصيدة (أَقمارُ الحبِ) للشاعر شينوار ابراهيم، تتميز بلغة خطابية شفافة لأنوثة متكاملة، بكل سماتها وإيماءاتها، انها حراك وبوح الذات الذكورية نحو الذات الانثوية، ومحاولة بثّ كل الطاقات الانجذابية، لكنه بوح يكاد يخلو من تعريض الجسد الى اذلاله والاستهانة به، بل نرى فيه ابجدية شاعر يغصّ بمفرداته وتراكيبه خجلاً منها، فهي تحمل ما يريحه من توارد الخواطر وتقارب الافكار، انه يدوّن فرحه ومسراته الغامرة، وهو يتنقل بين تلك الواحة بحرية، دون الافراط فيها، الذي استوقفني هو ذا المقطع من هذه القصيدة التي يقول فيها :
” وردة
تعزِف
لرجفة جسدك
عرقا”ً
(رجفة الجسد) حركة ايمائية، تجذب الناظر/ القارئ الى ما فيها من دلالة ايحائية فاعلة، عبر لغة (الجسد) بوصفه معنى لحركة تنطلق من مكونات الجسد ذاته، يقول د . رحمن غركان في (الجسد بوصفه.. معنى خياليا) “حين نقرأ فاعلية الخيال في إبداع المعنى الفني عبر لغة الجسد في أسلوب فني هو الحلقة الأحدث في هذه اللغة، نجد التمثيل الإيمائي او بانتومايم،(pantomime)وهو: الكلام الصادر عن التكوين الصامت لحركات الجسد، تلك التي تنطلق حركية مكونات الجسد فيها ببلاغة فنية رفيعة مستفيدة من فضاء المكان وأبعاده، مستخدماً في نطق الجسد كل عضلة أو عضو أو بروز جسدي للإفصاح عن القصد، ينحت جسده مشكلاً منه كلاماً إيمائياً تمثيلياً صامتاً ناطقاً في آن معاً، ليكون كل تشكّل في كل لحظة تمثيلية بمثابة جملة بليغة ذات ثراء خاص استدعاها خيال الفنان موجهاً بين تبدياتها المعاني الفنية المؤثرة، وفي هذا النمط من الكلام تتلاشى اللغات بلغة الجسد الايمائية الواحد، فالجسد ليس حجراً ليصمت، انه روح ولهذا يتكلم بتمثيله الصامت) . فالجسد لم يشكل لدى (شينوار ابراهيم) أزمة عاطفة، او ثورة تقضّ مضجعه بالهوس والجنون والبحث عن المغامرات الصبيانية الطائشة، ولم نرَ فيها اي تمرد للذات لتعلن عن عقدها، او الخروج عنها والانغماس بذكر تفاصيل الجسد وإغراءاته ومفاتنه، لا لم نجد ذلك، كونه يرى ان لهذا الجسد كياناً مقدساً تضرب له المهابة والثناء والوفاء، كونه الباعث الفاعل في تحريك مجساته العاطفية، لم تكن لديه اية معاناة او ضغوطات نفسية او تأزمات ذاتية تتصاعد فيها تراكمات الغلواء، مثلما نجدها لدى الشاعر “نزار قباني” الذي عرف بالإفراط في وصف الجسد والتشهير بالمفاتن رمزاً، للأنوثة المطلقة المتحررة التي لا تخضع لقيود العادات والتقاليد والأعراف، كما يصف ذلك الشاعر نزار قباني: “الحب الذي كتبت عنه، هو حبي أنا، ومعاناتي أنا، والأبجدية التي اعتمدتها في الكتابة عن هذا الحب هي أبجديتي أنا. إنني أول شاعر دخل إلى غرف الحب الضيقة، ورسم أشياء العشق المعاصرة بدقة عدسة تصوير. وأنا أول من أدخل تفاصيل العشق اليومية في الشعر (الجرائد، الكتب، الستائر، منافض الرماد، أدوات الزينة المعاصرة، المقهى، المرقص، ثياب الاستحمام، العطور، الأزياء…الخ)” .
أما الجسد لدى شاعرنا شينوار ابراهيم فهو خارطة من :
“مدينة العشق
مملكة أوركيش

بوابات بابل
تستقبلني”
وقوله أيضاً : –
يغمر نظراتي جمال
لوحات …
ترسمها ابتسامة
عشقنا
غافياً
في الوقت الذي اعتبر البعض أن اللغة المحكية فقدت معناها في ظل اللغة الجسدية، اعتبر البعض الآخر أنّها على العكس أضافت طبقة جديدة من تراكم المعنى. انها تأملات في ذلك الرمز الانثوي، والتناغم معه بلا افراط، بل محاولة تلميع تلكم المدن والمملكات والبوابات بحرارة الاستقبال او اطلاق نظام تبادل النظرات بالابتسامات التي هي عبارة عن مرسلات ذهنية، تكشف لنا عن مديات مختلفة من التحرك الظاهري/ الخارجي، ومحاكاة تعبر عن تخاطر دلالي ينساق منهما معاً، اذن/ الجسد لغة تضاف الى اللغة المحكية لتعطي معها، وحدة اتساقية متبادلة الخطوط، لأنهما ممارسات علائقية/ ديناميكية نحتاج اليها كلما ضجّت ذاكرتنا بالانشغالات الايحائية.

ناقد عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة