الأخبار العاجلة

اللهو الثقافي والجد السياسي

سلام مكي *

ربما أدركت الحكومة العراقية أخيراً، خطورة النخب العراقية المختلفة ومدى تأثيرها على الشارع العراقي وقدرتها على تشكيل رأي عام، قادر على الضغط على الحكومة وبقية السلطات في توجيه سياساتها ونقدها والوقوف بالضد من مصالحها الشخصية التي تشكل الهاجس الاول لتلك السلطات. لذلك تم اتباع الوسائل نفسها التي اتبعت في العهود السابقة وهي الهاء المثقفين والاعلاميين المؤثرين في الوسط الثقافي، خصوصاً اولئك الذين يملكون رصيداً كبيراً من المتابعين والمتفاعلين في مواقع التواصل الاجتماعي. هذه الاساليب تتمثل ببث شائعات ثقافية، واخبار كاذبة، او مس احد ثوابت المدنية والحرية، كما تعتقد تلك الفئات، مما يؤدي الى استنفارها، فكرياً واعلامياً، اذ يبقى صاحب الرأي منشغلا عدة ايام بتلك الحوادث، ويطالب السلطات بالكف عن تحجيم الحريات العامة، وان بغداد هي رمز للتحرر والتنوع الثقافي، والحكومة بدورها تقوم بالاعتذار عن فعلتها، والتأكيد على انها ستحاسب الافراد الذين انتهكوا مقدسات المدنيين والمتحررين. والامثلة كثيرة، بدأت قبل اشهر، ومازالت مستمرة الى اليوم، فقبل اكثر من شهر، تم الاعتداء على مقر اتحاد الادباء، والعبث بمحتوياته من قبل جهات مجهولة، مما دعا العشرات من المثقفين والاعلاميين الى استنكار الحادث، واعلان موت الحياة المدنية في البلد، على اعتبار ان المدنية تتمثل باللهو فحسب. وبرغم اعتذار المسؤولين الكبار في الدولة، وقبول قيادة الاتحاد الاعتذار والعودة الى الحياة الطبيعية قبل الاعتداء في مقر الاتحاد، الا ان ثمة العديد من المحسوبين على الثقافة، يستذكرون الاعتداء. بعدها، انشغل الوسط الثقافي بتمثال ابي نواس، اذ قاد مثقفون واعلاميون حملات تهدف الى انقاذ التمثال من دواعش بغداد كما سموهم، ونصب لافتات ونشر مدونات، ترثي التمثال، حتى جاء يوم، اكتشف فيه ان الجهات المختصة كانت تروم صيانة التمثال وبالفعل تمت الصيانة، وعندها صمت من صمت. بعدها بأيام قليلة، بث خبر نية الحكومة هدم نصب الشهيد في بغداد، واقامة تمثال يخلد شهداء سبايكر، فقامت قيامة المدنيين والمثقفين مرة أخرى، وللتأكيد على الخبر، تم تزوير كتب رسمية، تتضمن موافقة رئيس الوزراء على هدم النصب، وبمرور الوقت، ذابت القضية بين اروقة العوالم الخفية لأولئك الاشخاص، بعدما تبين ان لا صحة للخبر. بعدها انشغل الرأي العام، عن طريق قادته الافتراضيين من مثقفين واعلاميين، بحملة للدفاع عن فتية قاموا بفعالية في ابي نواس تتمثل بما اسموه مهرجان الالوان او المياه، على الرغم من ان الجهة المعترضة على هذه الفعالية ليست الحكومة ولا الجهات الاخرى المسلحة، بل مجموعة من المدونين، الذين يخالفون ذلك الرأي، وينظرون الى الامر بطريقة مغايرة. بعدها بأيام، دشنت حملة أخرى للتضامن مع اصحاب الفنادق والنوادي الاجتماعية، بعد مداهمة قوة امنية احد الفنادق التي تقام فيها حفلات فنية. برغم ان رئيس الوزراء اعتذر كعادته عن الحادث ووعد بمحاسبة الجهات التي قامت باقتحام الفندق. الحادثة الاخيرة، التي تم توثيقها بالكاميرات، بينت ان القوة تابعة لوزارة الداخلية وقائدها ضابط كبير، فكيف قام هذا الضابط بواجبه من دون موافقة المراجع العليا له؟ هل هو تصرف شخصي أم تنفيذ للأوامر؟ اليس الانشغال بأمور مصدرها جهة واحدة، هي محاولة لتشتيت الانتباه عن قضية معينة؟ الا تحاول الحكومة ابعاد تلك النخب عن ممارسة دورها الحقيقي في الضغط على الحكومة؟ اليس التركيز على قضايا أهم، يمكنها ان تغير مسار كثير من الاحداث هو الاولى بالاهتمام بالتماثيل والبارات؟ نحن ضد استهداف هذه الاماكن، وبالضد من تقييد الحريات الشخصية، ذلك ان القيام بفعالية في أماكن عامة، أمر لا يضر بالمصلحة العليا للبلد، ثم ان هذه الفعاليات والاماكن والنوادي الاجتماعية، هي نتيجة طبيعية للتنوع الاجتماعي والاختلافات بين الثقافات داخل المجتمع العراقي وهو أمر واقع لا يمكن لأي أحد انكاره او تغييره، وهو منذ قرون خلت، لا يمكن لأي جهة طارئة على المشهد العراقي بكل انساقه، لكن هذا لا يعني اننا ننشغل بها من دون غيرها من المشكلات، فالبلد، يعيش حربا ضد اقوى واشرس عدو عرفته المنطقة والعالم، وحيدا من دون مساندة من الدول الشقيقة والصديقة. والحكومة عندما تثير ازمة مثل أزمة التماثيل او البارات، كأنما تضمن سكوت الجهة التي تتصور انها تعارضها في سياستها وهذا ما يحدث فعلا. وهذا بحد ذاته دليل على ان ثمة امكانية لتشكيل رأي مناهض للسياسات الخاطئة للحكومة، ومحاولة تصحيح ما يمكن تصحيحه من اخطاء، بأقل الخسائر وفي فترة قصيرة، لكن المشكلة، هو الوقوع في الفخ، الذي نصبته الحكومة. ان القوى المدنية والنخب التي ترى انها تملك مشروعاً وطنياً يختلف عن المشاريع التي تطرحها بعض الاحزاب والكتل السياسية المتنفذة داخل الحكومة والبرلمان، ان تكون على قدر كبير من المسؤولية، في توحيد خطابها الثقافي، والارتقاء به في سبيل تشكيل وضع سياسي وثقافي يختلف عن السائد، كرد فعل على الازمات السياسية والثقافية التي يعيشها البلد.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة