هيئة للنزاهة أم للتوبة..؟

هذا ما جنته علينا حقبة الفتح الديمقراطي المبين، والتي مرغت بالوحل آخر ابتكارات الامم الحرة في مجال ادارة شؤون عيال الله وفك الاشتباكات بين صفوفها افرادا وجماعات. هيئات ومفوضيات مستقلة صنعتها الامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري (الحداثة وما بعدها) تحولت في مضاربنا المنكوبة بالنسخ المشوهة لقوافل (الانصار والمهاجرين) الى ما يشبه التكايا والاقطاعات التي لا تمت بصلة لروح ومغزى تلك الذرى المؤسساتية (الهيئات المستقلة).
احدى أهم وأخطر تلك الهيئات والمفوضيات (النزاهة) أجبرت أول رئيس لها (القاضي راضي الراضي) على قطع آلاف الكيلومترات كي ينفد بجلده من غضب حيتان التحولات الديمقراطية المفترضة، ولم يختلف مصير من تلقف الامانة التاريخية لهذه الهيئة المنحوسة بعد فرار رئيسها الاول عما حصل لربانها الذي منحته المصادفة الحسنة ملاذا آمنا في مضارب العم سام.
بعد سلسلة من ركلات الادارة بالوكالة، هبطت هذه الهيئة المنكوبة باحضان النائب السابق في دولة القانون السيد حسن الياسري وبالوكالة ايضاً، ومن أجل الحفاظ على هويتها وتقواها وروح السماحة لديها تجاه اخطبوط الفساد وشبكاته وتقنياته التي فاقت كل التصورات، اعلن الرئيس الجديد لها فتح باب التوبة امام قوافل الفاسدين قائلا: (ان الأجواء الرمضانية وليالي القدر المباركة، تعد فرصة للمتورطين بالفساد لاعلان التوبة، والرجوع الى الله تعالى والمجتمع).
للوهلة الاولى يبدو هذا التصريح طبيعياً ومألوفاً، خاصة عند مجتمعات أدمنت على مثل هذه السرديات والقصص المتدافعة عند أبواب التوبة وفتوحاتها الخارقة في انتشال شعوب وقبائل هذه المضارب القديمة الى حيث الذرى في مجال الاخلاق والقيم الروحية. مثل هذا الخطاب لن يكون غريبا ان صدر من منابر الوعظ الديني وفي المعابد من شتى الاشكال والرطانات، لكن ان يصدر من الربان الجديد لأحد اهم واخطر “الهيئات المستقلة” في الوطن الأكثر ابتلاءاً بالمحسوبية والفساد المالي والاداري والقيمي، فذلك يعني ان مصيرمشحوف النزاهة هذا لن يواجه قريباً غير غطات اخرى لن يدرك قعرها أبرع المتخصصين في مجال “الوكالات”.
مثل هذه الوصفات في التعاطي مع ملفات غاية في الصعوبة والتعقيد (اخطبوط الفساد) تذكرنا بالمصل العابر لزجر الزمان والمكان (الحجامة دواء لكل داء) والذي ما زال غير القليل منا يؤمن بمعجزاته وقدراته الخارقة في فك طلاسم الامراض والعلل الجسدية والروحية. وبالرغم من اختلافنا الشديد مع رئيس هيئة النزاهة الحالي والاجواء المباركة التي تمنح الفرص للمتورطين بالفساد لاعلان التوبة. الا اننا سنقف معه في دعوته الطيبة هذه؛ ان وجهها صوب المرتع الذي تستلقي فيه حيتان الفساد وسدنته، والذي بمقدوره الوصول اليه مشياً على الأقدام ومن دون صخب وضجيج الحمايات والمرافقين.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة