أكثر من إعادة كتابة

مرّة تمحونا العَسكرة. وتارة يُفجّرنا التّسييس. في زمن صدّام ابتلعت العَسكرة طول الحياة وعرضها. بعد 2003 مارست القوى المتنفذة لعبة تسييس الملفات. وقد طال التّسييس حتى مقاولة فرش رصيف شارع السعدون بالمقرنص الخشن الذي تشبه عضلاته الناتئة اللغة التركية.
ويمكن قياس صعود وانحدار الدولة العراقية بهذه العتلة. أمامنا اليوم على الطاولة ملف اسمه (ملف التّحوّلات) وبالتأكيد لا تختزن هذه التّسمية كثيرا من الظّرَف واللطافة.
في تضاعيف تلك التحولات حاول العقل الثقافي تشغيل زر إعادة كتابة التّاريخ. وبقّعَ الجدل كلَّ ذلك وصولا إلى سقوط كمشةٍ من الجغرافيا بيد عصابات داعش. في 2003 سقط النّظام، واليوم تسقط الموصل. باقي الخريطة مسرح مواجهات. يجمع السّقوطين أنهما حدثا بأصابع وأقدام دولية وإقليمية، ويختلف السقوط الثاني أنه مزيج من تشتت داخلي وعوامل خارجية فرضتها الأوضاع السّورية التي تتحرك بتداعيات الأجنحة المتكسّرة ! للربيع العربي وما إلى ذلك من الخوازيق الرّائعة.
إلى جانب ملف التحولات يتكدّس ملفٌ آخر اسمه (ملف الإعادات). فبجانب الرغبة المفتوحة لإعادة كتابة التّاريخ، صرنا محتاجين إلى إعادة تأسيس الظاهرة السياسية العراقية، وإعادة كتابة الجغرافيا. ولكن كيف؟ لنفكر معا وأيضا بإعادة تقليب الملفين. مع العلم أن عملية إعادة التفكير نفسها ستكون ملفا برأسه يثقل كاهل الطاولة بعاصفة مُضافة. إنّ الإحباط يتحكم بكل المفاتيح، ولا مانع من تعليق الآمال على مشاجب اليأس.
إحدى قصص تقليب الدفاتر تقول: إنّ أنتوني باول، واحد من أشهر كتاب الانجليز من مصاف كَريهام كَرين، وإيفلين وو، وهارلود آكتن وغيرهم ممن يسميهم بعض النقاد الانجليز باسم (جيل برايدز هيد) نسبة إلى رواية (زيارة ثانية إلى برايدز هيد) الشهيرة للكاتب إيفيلين وو. يعود سبب شهرة أنتوني باول بالدرجة الأساس إلى تحفة واحدة ذات حجم غير اعتيادي عنوانها (الرّقص على أنغام موسيقى الزّمن)، وهي سلسلة تتكون من 12 رواية استغرقت كتابتها 25 عاما 1951- 1976 وتؤرّخ روائيا الطبقة الراقية في المجتمع البريطاني على مدى أربعين عاما. وهي كما نرى تمتد من عقد العشرينيات إلى عقد الستينيات من القرن العشرين. تُعتمد هذه التحفة كألف ليلة وليلة انجليزية يسجل فيها الكاتب قراءته للتحولات بقدر كبير من الرّهافة والبراعة ولا ينسى توابل الهزل والتهكم. تشحب شخصيات العمل وتعاود الظهور في ضباب الزمن والانطباع الذي يتملك قارئها أنها لوحة واسعة، مرأى تاريخي ضخم من تلك التي درس باول يوما ما كيفية رسمها.
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة