الأخبار العاجلة

بين الحنين الأسطوري والإغراق في المحلية

الفنان المصري عبد الغفار شديد

متابعة – الصباح الجديد:

يتغلغل الحسّ المصري الأصيل في جميع لوحات (عبد الغفار شديد) من الماضي الفرعوني إلى الحاضر، من شواطئ القرية إلى أعماق الصحراء، من زحام الحارة الشعبية إلى سكون المقابر الأثرية. وبالرغم من أنه يُجسّد عناصره التشخيصية بأبعاده الثلاثية حتى يصبح لها حجم ووزن، فإنه لا يشعرنا بالبعد الثالث بمفهومه الهندسي، بل يتركنا تائهين في المنطقة الوهمية الغامضة بين المجرد والمعين بغير تحديد للزمان والمكان.
كانت بعثة عبد الغفار شديد إلى الأقصر، بعد تخرُّجه مباشرة، بمثابة نافذة واسعة، أطلّ منها ثلاث سنوات، على الوجه الحقيقي لمصر: شعباً وطبيعة وتراثاً. رأى بعينيه في رسوم المقابر الفرعونية وتماثيل المعابد، مولد المعايير والقيم الفنية والجمالية، وبقي هناك بين اللوحة والطبيعة واكتسبت ألوانه هناك دفئاً من الأقصر ووضوحاً أملته شمس الجنوب القوية وظلالها الكثيفة واكتسبت لوحاته سلاسة انتقلت من حياة البشر البسطاء إلى تكوينات جديدة، وألهمته البيئة التاريخية ومقابرها الأثرية بالتخفف نوعاً ما من الإغراق في استعمال الألوان الكيميائية المستوردة. وبروح الباحث ابتكر لنفسه ألواناً من خامات البيئة حتى تقترب من ملمسها ودرجاتها الضوئية من مثيراته الجمالية المحيطة به.
وتثير تجربة شديد تساؤلات عِدّة عن عالمه الميتافيزيقي، واغترابه عن وطنه لسنوات طويلة، ومخزون خبراته الجمالية، وتحرُّر لوحاته من أُطر زمنية ومكانية، لتصنع فضاءها الخاص، وتخاطب وجدان المتلقي من خلال أسطح ملونة، وتورطه في الولوج إلى فضاء أسطوري، وثنائيات الفرح والحزن والحياة والموت، ليكتشف أن تلك العوالم راسخة في ذاته بثوابتها الفكرية والحسية.
تجسد لوحات شديد ملامح الوجوه المصرية وطقوس الحياة القديمة ومراسم العرس، ودلالة الطيور والرمال وثنائية الحزن والفرح في الفلكلور الشعبي، ويتسع فضاء الألوان فيها لمسارات رمزية ضاربة بجذورها في تاريخ الأسلاف.
وتطالعنا لوحات شديد بتكويناتها الجمالية الصافية، ودلالاتها الأسطورية، وعفوية الرمز وإيحاءاته بالشموخ والصلابة وطاقة المقاومة الكامنة خلف غلالة الحزن الشفيف، ونزق الطفولة، وتماوج الألوان وفق نسق جمالي ومعرفي، ودرجة القلق والتوتر الإبداعي لدى الفنان في حنينه إلى جذوره.
وتجسّد أعمال شديد مقولة إن الإغراق في المحلية طريق المبدع إلى العالمية، حيث يتشكل بعد اللوحات الزمني والمكاني في فضاء المحلية المباشرة، والبحث عن مفردات وثيقة الصلة بالبيئة المصرية، والمزاوجة بين لغة التشكيل وبعد اللوحة الفلسفي، والتأريخ بالفرشاة لتفاصيل حياة المصري القديم على ضفاف النيل.
ويُعدّ التصوير محور لوحات شديد الرئيسي، ويتناغم مع انسيابية الألوان بدرجاتها المختلفة، وشاعرية اللوحات التي تنطلق من أجواء أسطورية، ورؤى نابعة من ذات الفنان، وأشواقه إلى وطنه البعيد، وتطويع أدواته لتشكيل فضاء يحمل صفاته وموروثه الفكري والوجداني.
هكذا تسهم لوحات شديد بقوة في إثراء الحركة الحداثية، في العقد الأخير من القرن. بما تصوره من جوانب خفيّة داخل الحياة والبيئة المصرية، بأشخاصها ورموزها وعناصرها، التي تختلف عن مثيلاتها في الشعوب الأخرى. كما أن الألوان ليست تعبيراً عن انفعالات نفسية عارضة، أو رموزاً لمشاعر وأحاسيس خاصة، بل لغة تشكيلية، يتحدّث بها كما يتحدّث الشاعر بالكلمات. تصوّر ضوءاً ليس ككل الأضواء، وظلاً يتكامل الشكل والمضمون، وهي سمة لا تتوافر إلّا في الفنون الكبرى كالفن المصري القديم.
جدير بالذكر أن الفنان قد شارك في الحركة التشكيلية منذ عام 1958 وحتى الآن وله أكثر من 30 معرضاً شخصياً وجماعياً ما بين مصر وأوروبا وأميركا، منها بيناليات عالمية ومعارض دولية وهو عضو بمنظمة ICOM الدولية للمتاحف والنقاد الدولية ونقابة الفنانين بمقاطعة بافاريا بألمانيا وعضو بلجنة الآثار بالمجلس الأعلى للثقافة واللجنة الدائمة للآثار المصرية، سافر إلى أوروبا ودرس الفن بأكاديمية الفنون الجميلة بمدينة ميونخ بألمانيا، نال درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة لودفيج ماكسميليان وعمل فيها كأستاذ للفن المصري القديم ونفذ لوحات فنية للمسرح الألماني، وكُلف بإنشاء وتنفيذ جداريات الفن العالمي بمتحف كتاوف، وأشرف على مشاريع ترميم كنائس من العصر القوطي والباروك والروكوكو، وقام بالتدريس في الجامعة الأميركية بقسم PVA.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة