المطهرجي !

حفل “ختان” الأولاد أو ما يُطلق عليه باللهجة العراقية “الطهور” هو من العادات والتقاليد المهمة التي توارثها العراقيون وحرصوا على اتباعها وممارستها فضلاً عن إعطائها اهتماماً استثنائياً سواء من خلال طقوس الاحتفالات أو عبر الاستعدادات التي تسبق هذه المناسبة التاريخية لجنس الذكور!
رجال اليوم.. يستذكرون بـ “فزع” تلك الأيام العصيبة من تاريخ الأمة التي امتزجت فيها الدماء بالدموع والصراخ بـ “الهلاهل” وتداخلت الضحكات بالبكاء ونُثرت الحلوى وقُدّمت الهدايا على أنغام الموسيقى الشعبية مصحوبة بالأهازيج التي كانت ترددها الأمهات والأخوات والخالات والعمات ونسوة الجيران بقولهن الذي يمتزج بالغناء “طهرناه وخلصنه منه”!
ولعل “الكاريزما” التي كان يتمتع بها “المطهرجي” ما زالت حاضرة وعالقة في ذهنية الكثير منا خاصة وأنه كان يمثل حالة رعب عند الأطفال لارتباطه بالموسى والمقص والدم والدموع، بحيث كانت حقيبته الجلدية “البنية أو القهوائية أو السوداء تمثل نذير شؤم وفزع لدى الأولاد الذين لم يخوضوا هذه التجربة بعد, خصوصا وأن “المطهرجي” كان يحظى باهتمام الحضور باعتباره “البطل” الذي سيقوم بالعملية أو المهمة التاريخية وسط حشد من الجماهير التي كانت تحضر باكراً للمشاركة في هذه المراسم !
كانت بعض الأمهات يهددن أبناءهن “المشاكسين” بـ “المطهرجي” بعبارة: “إذا متكَعد راحة تره أجيبلك المطهرجي”!
جرت العادة على اختيار أشهر الصيف الحارة لـ “ختان الأولاد”.. بداعي أن حرارة الجو تعمل على الإسراع في التئام الجرح حيث تفضل الأسر العراقية أيام الجمع والعطلة الصيفية والمناسبات الدينية والوطنية والعطل الرسمية فضلا عن عيدي الفطر والأضحى المباركين للقيام بهذه المراسم التي ترافقها الموسيقى الشعبية والدبكات ورقصة الساس المشهورة وتوزيع الحلوى ونحر الذبائح فضلاً عن إقامة الحفلات – بالنسبة للعائلات الميسورة – والتي تمتد لأكثر من يوم… وتتشابه مراسم حفلات “الطهور” مع حفلات الأعراس مع فوارق بسيطة.
كانت العادة المتبعة في المناسبات الوطنية أن تقوم المستشفيات بإجراء عملية الختان الجماعي لأبناء العائلات الفقيرة أو ذوي الدخل المحدود مجاناً فضلاً عن توزيع الهدايا والحلويات والملابس على الأطفال.
ووسط ضجيج وصرخات الأطفال والأولاد المشمولين باجتثات الزوائد اللحمية.. يقوم المطهرجي بواجباته في إجراء عملية الختان بهدوء.. وفي العادة كان يرتدي الصاية والجراوية وهي نسخة من ملابس “حجي راضي” في مسلسل تحت موسى الحلاق.
عادة كانت تجرى عمليات الختان في الصباح الباكر.. حيث كان الأولاد يرتدون “الدشاديش” الملونة منها ذات اللون الأبيض، أو الوردي، أو الأصفر، أو الفستقي أو السمائي وغيرها، وقبل الختان كانت تقام مراسم الحلاقة لأبطال “الطهور” مع وضع الحناء على أجزاء من الكف أو الأصابع.
أكثر ما كان يخشاه “المطهرجي”.. قيام الطفل بـ “التبول”عليه أثناء عملية الختان بسبب الضغط النفسي والخوف وكثيراً ما كان يتورط “المطهرجي” بذلك حيث كان بعض الأطفال يستهدف وجه “المطهرجي” من دون قصد برشات وزخات قوية متتالية كانت كثيراً ما تغسل وجهه وتغرقه بالمياه.. ولهذا كان يتحوط لهذا الأمر بالطلب من ذوي الطفل المقصود أخذه الى الحمام.. ومع هذا يفاجئ بعض الأطفال “المطهرجي” بالقصف العشوائي المكثف بالمياه الثقيلة!
ومن الطرائف التي يرويها أحد الأصدقاء أن أحد أبنائه تعرّض للنزف الشديد بعد إجراء عملية “الختان” ليس بسبب التداخل الجراحي أو الطبي أو لقلة خبرة “المطهرجي” أو غيرها، وإنما بسبب قيام “كتكوت” كنا نربيه في البيت “والكلام لصحابنا” بالإغارة المفاجئة على موضع جرح الختان ونقره عدة مرات لينزف على إثرها لدرجة أننا لم نستطع وقف النزف إلا بعد نقله الى المستشفى!
ونحن نستذكر هذه الذكريات كما كنا نتمنى لو أستطاع “المطهرجي” اليوم من استئصال الكثير من الأفكار الطائفية من عقول وألسنة البعض !
ضوء
“المطهرجي يقوم بتطهير الجسد والحشد الشعبي يقوم بتطهير المدن ”
عاصم جهاد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة