الأخبار العاجلة

فيلم يفضح الانتهاك الجنسي للأطفال من قبل رجال الدين

«جمجمة» أو صلب المسيح من جديد

متابعة\الصباح الجديد

فيلم (جمجمة Calvary (أو (جلجثة)، نسبة إلى مكان صلب المسيح بالآرامية، لا يبشر بالكاثوليكية أو الكالفينية، ولا يصور مجتمعا قبائليا في إحدى الغابات، وإنما يروي قصة القس (جيمس) الذي جسد دوره (بريندان غليسون) الذي يعيش في ايرلندا، وهي من أكثر الدول تدينا بالمسيحية في أوروبا، مع سكان بلدة صغيرة، اختلفت بينهم درجات الطيبة والقسوة، والجمال والقبح. كما اختلف إيمانهم وتشبثهم بالمسيحية الكاثوليكية ونظرتهم تجاه الخطيئة.
كتب المخرج الايرلندي (جون مايكل ماكدونا) هذا الفيلم وهو يصور فيلمه (الحارس) سنة 2011، وصوره سنة 2013 في موطنه مع نفس الممثل “بريندان غليسون”. وهو فيلمه الطويل الثاني الذي كتبه وأخرجه. اعتبر الكثيرون الفيلم كنوع من الكوميديا السوداء، لأنه يعكس في الواقع إساءة مئات الرهبان معاملة الأطفال في المؤسسات الأيرلندية على مدى 35 عاما، حسب تقرير لجنة التحقيق في اغتصاب الأطفال في العام 2009.
افتتح الفيلم بعبارة القديس أوغستين “لا تيأس، فأحد اللصوص قد تم إنقاذه، لا تفترض، فأحد اللصوص قد لـُعن”. وهو اقتباس يشكل إطارا عاما يحد زوايا الفيلم بالعقيدة الكاثوليكية.
يصور المدخل الأول في الفيلم، الأب “جيمس” داخل غرفة الاعتراف في الكنيسة بحديث مفاجئ، على حد تعبير الأب نفسه، مع شاب من خلال صوته فقط. إذ أبدى هذا الأخير رغبته بقتل الأب جيمس لا لشيء اقترفه، بل لأن أحد القساوسة اغتصبه صغيرا لمدة خمس سنوات. ولا يمكن الانتقام منه لأنه توفي، وبالتالي “فقتل قس طيب لم يفعل شيئا سيكون صدمة”، في اعتقاد الشاب، كما هو الحال الصادم باغتصاب طفل من طرف رجل دين يمثل كلمة الله على الأرض.

الجانب الروحي
تنوعت شخصيات البلدة بتنوع اختزاليتها، إما للصفة أو العرق أو الديانة أو الثروة أو السن، بدءا بالمرأة الجميلة اللعوب، وزوجها المتهاون مع مرافقتها للرجل ذو البشرة الداكنة (المهاجر) أمام الجميع. إضافة إلى العجوز الكاتب الذي شارف على الموت، لكن استمراره في الكتابة والإبداع هو رفيقه في وحدته.
ونجد كذلك الرجل الغني والمكتئب، الذي هجرته زوجته وأولاده، اضطر بعدها لأن يبدي رغبته بالتبرع للكنيسة، عساه يشفى من حالته. كما نجد صاحب الحانة البوذي، والسجين المحكوم بالإعدام الذي يأمل بغفران الرب ليدخله الجنة مع الفتيات اللاتي قتلهن.
وتـَمثـل الجانب الأمني في مفتش يعاشر أحد اللوطيين المرتادين على البلدة. ثم هنالك الشخص الغير القادر على التواصل، الذي تراوده فكرة الانتحار أو الانضمام للجيش. وكذلك الطبيب الملحد الذي لا يقدر الروح ولا الذات البشرية.
اعتمد المخرج على المشاهد البانورامية للطبيعة التي تزخر بها ايرلندا كتصوير للبحر والهضاب وكذلك أثر الرياح. وهو أمر لا يمكن أن يغفله أي مخرج وطأت قدمه هذه البلاد (إلا قصدا). ورغم وجود هذا الجمال الطبيعي، فإن جون ماكدونا لم يسمح للمشاهد بالتعرف على جغرافية البلدة، وأراد أن يختزلها في عينة مختلفة من الناس في شخصيات لا تتشابه بينها. وتجسد أبعادها التعامل البشري مع غرائزه وخطاياه ودوافعه الطبيعية. كما تخللت الشخصيات حوارات شبه استرسالية أو إنشائية أحيانا، بنى المخرج عليها الصورة المصاحبة لفضاء السيناريو. فالبحر أو الصخرة أو اللوحة مثلا هم من يخلقون الحوار، وعليه تتقدم النقاشات إلى الاستنتاجات إلى النتائج الدينية أو النفسية.

أزمة المسيحية في الفيلم
تقع أحداث الفيلم في مدة زمنية بين الأحد الأول والأحد الآخر، وهو يوم يجتمع فيه الناس للصلاة عند معتنقي المسيحية، كما الجمعة عند المسلمين. وهذه الزمنية قد لا تبدو مهمة لولا تحديد ذلك الشاب (القاتل) يوم تنفيذ وعيده بقتل الأب جيمس. لأن من يريد أن يقتل فلن ينتظر يوما محددا ليبلغ ضحيته به. وإلا فاختياره يوما غير الأحد لن تكون له رمزيته الدينية لا عند القاتل ولا المقتول. لكن هل مجيئه للاعتراف أو للانتقام ؟ للصفح أو للنسيان ؟ لتخليص نفسه من الرمزية الكنسية التي بداخله؟ أم لبعثرة أوراق ممثلي الكنائس (كما عرف مؤخرا بقضية الفضائح الجنسية للقساوسة في أوروبا)؟
وظهرت الأبرشية التي تندرج ضمن سلطتها كنائس المدينة، في الفيلم بشكل ساذج وغبي إلى حد ما، ولا تقنع أحدا في جديتها وتعاملها مع الأحداث. فعندما رفع الأب جيمس شكوى التهديد للأبرشية، وجد أسقفها على مائدة الإفطار وغير متفاعل مع خطورة الحدث. إلى درجة جعل الأب جيمس يتخذ قراره لوحده. كما وجد نفس الأسقف، بعد حرق كنيسة تلك البلدة، في المرة الثانية، بين الورود في حديقته، رغم أن الأمر أضحى يهدد ممثلي الكنيسة ووجب الحزم فيه.

حضور الموت
لا يخلو حوار بعض الشخصيات من سخريتها من حب الكنيسة للمال أو من رموز الدينية، أو من تعاملها المعاكس لطبيعة خطابها اليومي. من خلال تحوير أفكار الكنيسة أو اعتقاد الناس نحو بعض القضايا. بل حتى مشهد تبول الشخص الغني على إحدى لوحاته الغالية والمفضلة لديه، صُوّر (إخراجيا) كأنه موجه للقس جيمس. وكان لحضور فكرة الموت، كما هو سائد في المجتمعات الأوروبية، تأثير كبير على إيمان الشخصيات، إما انتحارا كابنة الأب جيمس وحبيبها الانتحاري الياباني، ومايلو العاجز عن التواصل، والعجوز الكاتب، والمحكوم بالمؤبد. أو موتا طبيعيا كحادث المستشفى، الذي تمخضت عنه رسالتين، الأولى في كون “إيمان البعض هو مجرد خوف من الموت” والثانية أن “العيش بحب عدلٌ في هذه الحياة”.
يبدو أن هذا القس الطيب لم يتحمل استهزاء الناس به فقط، بل امتد إلى تحمل أخطاء رجال الدين الآخرين مثله. وبالتالي فهو يلعب دور المخلص على تلك الأرض، وهو حامل الهم النفسي والتاريخي للكنيسة كدين وفعل. ولذلك جاء عنوان الفيلم “جمجمة – Calvary” مشيرا إلى عملية صلب المسيح، التي توحي بخاتمة القتل وبضرورة وجود شخص يتحمل خطايا البشر. وقد انتصرت الخطيئة بعد موت الأب جيمس، واستمر معها ندم النفس البشرية، والإحساس بجمال الحياة أو قبحها. لكن الجميل ورغم كل هذه الأحداث، فرُوح “المسيح” جيمس تمثلت في ابنته، وأنبتت فضيلة الصفح والغفران التي هي أولى فضائله.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة