رماد العقول

يخطيء من يعتقد ان داعش هي وليدة عامين او ثلاثة، حتى وان عرفها العالم الخارجي بعد نجاحها في احتلال الموصل وصلاح الدين لتتحول الى ظاهرة عالمية مرعبة وغامضة.
ان العوامل المؤسسة والمغذية لداعش ولدت منذ قرون وتطورت كخلاصة للصراع الذي حمله لنا التراث الاسلامي، ذلك التراث الثري بتنوعه العاجز في الوقت نفسه عن توظيف هذا التنوع، ثري في شخوصه ومآثره انتاجه المعرفي، وعاجز عن نقل صورة واحدة عن الاسلام الذي اراده البدو سلفيا وصدروه الى العصر الحديث سلفيا.
وعاماً بعد عام يتخم التراث الاسلامي بالاختلافات القاتلة التي يتصارع من اجلها المسلمون برغم انهم جميعا متفقون على وحدانية الخالق، والنبي، والقرآن، والقبلة، والاخرة، والشهادتين، الا ان السياسة التي فرقت المسلمين في القرون الاولى التي اعقبت وفاة الرسول هي ذاتها التي تمزق الامة وتعود بها الى الصراعات الدموية القاتلة.
ان الصحوة الدينية التي حصلت منتصف ثمانينيات القرن الماضي في مصر والسعودية والاردن وبلدان شمال افريقيا اعادت الحياة لهذه الافكار التي اقل مايقال عنها انها متشددة، وربما تستحق ان توصف باوصاف اشد قسوة، لانها كلفتنا مئات الالاف من الابرياء، ناهيك عن تسميم الافكار وتخريب الديار، وانتاج بيئة طاردة للعقل والفكر والمنطق حاضنة للتسطيح والتجهيل، والاهم من ذلك هي الاكثر تشويها للاسلام.
ان قروناً من حكم الامويين والعباسيين كانت كافية لخلط الاوراق بين السياسة والدين فهذا المنهج السلفي الذي يريد بنا العودة الى القرون الاولى للاسلام ماهو الا انعكاس لصراع سياسي ارتبط بصراع المدارس والمناهج الدينية مثل صراع المعتزلة والاشاعرة، الذي تم حسمه سياسيا لصالح الاشاعرة وحسم فقهيا تبعا للحسم السياسي، وانتج المذهب الحنبلي او مايعرف باهل الحديث ثم الطريق الى التكفير.
ان المنهج الحنبلي كان البذرة التي مرت بفكر ابن تيمية ثم محمد عبد الوهاب لتمتزج مع تطورات الصراع السياسي وتضمر من السموم الفكرية مالم يضمره غيرها، لكن الغفلة والصمت كانتا هي السمة البارزة لدول المنطقة وفي مقدمتها العراق.
في حين عمل البترول السعودي على نشر المنهج الوهابي عربيا وعالميا في محاولة لانتاج نسخة دولية من الاسلام الوهابي الذي عرفه العالم بالعمل في مساحة بعيدة عن السياسة، ولكنه بمجرد تزاوجه مع فكر الاخوان المسلمين انتج مايعرف بالسلفية الجهادية التي جلبت لنا كل هذا الويل والدماء.
اذن علينا ان نعترف باننا مغفلون لاننا عجزنا عن فصل البنزين عن النار، وتركنا الافكار الظلامية تحيط بنا من كل جانب، بل الحقيقة ان هذه الافكار غزت المناطق الغربية من العراق قبل ان يحتلها داعش بسنوات، اما نحن فقد اكتفينا بدور المتفرج او احيانا من دون ان نشعر نكون نحن من يجلب الوقود لنار الفتنة التي ايقظها الحنابلة الجدد وخوارج العصر الذين يتفننون في طريقة ازهاق ارواح البشر.
عباس عبود سالم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة