الأخبار العاجلة

المعلوماتية والرقمنة.. إفساد للغة أم تجديد للفكر؟

تونس – د. آمنة بلعلي:

هل جاءت العلاقة بالرقمية بنمط جديد في الكتابة، فخلقت بلاغة جديدة نستطيع من خلالها أن نتحدّث عن جنس أدبي جديد؟
لقد طُرِح هذا السؤال في النقد الغربي في البدايات الأولى من هذا التلاقي، وعلى الرغم من أنهم كانوا يبشّرون ببلاغة جديدة،إلا أننا نجدهم لم يتمكّنوا من تبيّن هذه الجِدّة إلا فيما تتميّز به الكتابة من روابط وطريقة بنائها، وتصبح القضية- ببساطة- حديثاً عن تفاعل وعلاقات بين روابط، مقابل تفاعل بين عناصر النصّ الواحد أو النصوص الأخرى، مثلما دعت إليه البنيوية والتناصّية، لكننا نجدهم، فيما بعد، ومع نهاية الثمانينات يضعون القيمة الجمالية والتخييل محلّ اهتماماتهم في معاينة تطوّر العلاقة بين الأدب والوسائط الرقمية.
ولقد تلقّى النقّاد العرب هذا التحوّل الغربي في علاقة الأدب مع التقنية تلقّيهم للفتح العظيم، فربطوا هذا الانخراط بالتحديث وبِرِهانات الثقافة وبالمستقبل؛ حيث ذهب سعيد يقطين، مثلاً، إلى المقارنة بين معرفة التقنية الحديثة، ومعرفة بَرّاية القلم عند العرب القدامى بوصفها وسيلة تقنية من أجل كتابة جيدة، ومن ثمة، فالكاتب المعاصر ليس بمقدوره مساير التطوُّر التكنولوجي وكتابة نصّ جيّد إلا بتعلُّم التقنية لأن “عدم معرفة وظائف الحزمة المكتبية، وكيفية صناعة الروابط من خلالها، أو من خلال غيرها من البرمجيات الخاصة، أو كيفية استخدام برنامج خاصّ بالكتابة الرقمية، لا يمكن أبداً أن يجعلنا قادرين، كتّاباً وقرّاء، على كتابة النص الرقمي وتلقّيه”، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على المتلقّي لكي لا يبقى مجرّد متلقٍّ تقليدي يبحث، فقط، عن المعلومة.
واضح من هذا الموقف أنه تَمّ ربط المعلوماتية والرقمنة بالتحديث، فبالرقمنة يتجدّد فكرنا، هذا في الوقت الذي يحذّر فيه الغرب، اليوم، من الدور الذي لعبته هذه التقنية في تشيئ الإنسان وجعله غير قادر على الإبداع الحقيقي؛ حيث عطّلت قدراته الذهنية والعضوية. إن الوعي الإبداعي والوعي النقدي لا يمكن أن يكونا رقمَّيين، لأن التقنية تشكِّل جزءاً بسيطاً من الوعي.
لعلّ ما يمكن أن يلاحَظ في تلقّي هذا النوع من الأدب الذي لا يزال مجال إبداعه ضئيلاً، على الرغم من الكَمّ الهائل من الكتب التي أُلِّفت حوله، هو التعامل الرومانسي معه على حساب الأدب الورقي، ويتجلّى ذلك من خلال ربط التطور الفكري بمزيد من الاندماج في الافتراضية التي يفرضها الإبحار الإلكتروني، وجعله سؤالاً مهمّاً من أسئلة الثقافة العربية، وربط الحداثة في الأدب به، إلى حَدّ أن البعض لا يتورّع في وسمه بـ(جنس جديد)، أو حتى (مدرسة جديدة).
يبدو أن سؤال التقنية في الأدب أصبح سؤالاً مركزياً في الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، غير أن هناك من يستبصر رؤية مستقبلية أخرى، تطرح سؤال التقنية على المحكّ، جنباً إلى جنب مع سؤال الإبداع والإضافة والمشاركة في الفعل الثقافي العالمي والحقّ في الاختلاف. ان مفهوم الإبداع الرقمي بالطريقة التي فُهِم بها سيؤدّي بالأدب إلى الانقراض، ليفسح المجال لشكل من اللعب التفاعلي بين الإنسان والآلة، تزول فيه الحدود بين الإبداع والتلقّي، أو الكتابة والقراءة، بل سيختفي هذان النشاطان مفهوماً واصطلاحاً، وتنشأ منظومة من المفاهيم والمصطلحات التي تعبّر عن تجربة أخرى يفنى فيها مفهوما الكتابة والقراءة.
ساد الاعتقاد بأن حداثة هذا الأدب ترتبط بالموضوع الرقمي، وهم يعيدون مفهوم الأدب إلى الثنائية التقليدية التي كانت تنتصر إلى المضمون، وتجعل منه معياراً للتحديث، حيث يسحب مفهوم الواقعية إلى العالم الافتراضي الرقمي، وتصبح الرواية نوعاً جديداً، لأن مضمونها حديث على الواقع الافتراضي، كما يصبح معيار الجِدّة في الرواية الرقمية، هو التأكيد على “أن الرقمية والعوالم الافتراضية هي بصدد الحلول- حرفياً- محلّ الواقع بكافّة قطاعاته وأنشطته بما يقتضي التعامل معها بوصفها واقعاً، أي أمراً ملموساً وموجوداً، يمكن أن يجلب الفرح للمرء ويسعده ويكافئه، مثلما يمكن أن يجلب له الشقاء والبؤس”. وماذهب اليه بعض الكتاب في استخدام لغة العصرهو ربط هذا الشكل الجديد بموضوع العالم الافتراضي، فيما يذهب البعض إلى ربطه بالوسيط الإلكتروني بوصفه حاملاً، ونجده عند الذين تستهويهم فكرة التفاعل ربطه بدور الروابط في إحداث التفاعل بين القارئ والنصّ الرقمي، مثلما تذهب إلى ذلك الكاتبة فاطمة البريكي في كتابها (الأدب التفاعلي. غير أن الأمر بالنسبة للشعر الرقمي مختلف عند الشاعر مشتاق معن، الذي يبدو أنه لم يستسغ اصطلاح الواقعية الرقمية، فقال بـ(المجازية الرقمية)، وكأنه يؤكِّد على أن موضوع الشعر الرقمي ليس هو الواقع الافتراضي، ولذلك نلاحظ أن قصيدته الرقمية لا تكاد تختلف، في نصّها اللغوي، عن الشعر الحداثي الذي يكتبه بعض الشعراء الحداثيين الذين يوظِّفون التناصّ كاستراتيجية تجسّد رؤية مجازية للواقع العربي.
إن مطالبة القارئ أن ينخرط في التفاعلية مع المبدع، تفرض عليه أن يصرف اهتمامه إلى التقنية على حساب النص واللغة، وإن المشاركة التي يتحدّثون عنها هي مشاركة شكلية وافتراضية لا غير، ما دامت مجرّد اختيارات للقارئ في تعديل البرمجة وتغيير مواقع النوافذ؛ أي إنه بإمكان القارئ الدخول إلى ملفّات البرمجة والعرض الموجودة في قاعدة بيانات النصّ، وإحداث ما يشاء من إعادة لتشكيل البرمجة بما يتواءم مع ذوقه، دون المساس بالمتن الرئيس للنصّ.
ذلك هو هاجس سؤال التقنية الذي يثيره الحديث عن الأدب الرقمي في الثقافة العربية المعاصرة، سواء ما تعلَّق بالرواية الرقمية، أو ما ارتبط، خاصةً، بالشعر الرقمي، بالإضافة إلى ما ينبغي أن يكون عليه دور هذه التقنية في تحديث القصيدة العربية وتحديث اللغة من خلال تحديث الفكر واضافة مصطلحات جديدة مستمدة من لغة العصر وليس العكس.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة