الأخبار العاجلة

عندما يفسد الملح

غير القليل منا سمع او عرف عن الزعيم البريطاني تشرشل وحنكته ووعيه العميق في مجال خدمة الشأن العام وادارة دفة السياسة المحلية والدولية في أحد اشد المنعطفات التي واجهت بريطانيا والعالم زمن الحرب العالمية الثانية، ومن المواقف والاجابات التي دونها له التاريخ وتحولت الى درس للأجيال التي تضع نصب عينيها مهمة النهوض بمجتمعاتها، سؤاله لمساعديه عندما قدموا له تقريراً مؤلماً عن الحالة المأساوية للعاصمة لندن بعد القصف الهمجي لها من قبل اسراب المقاتلات النازية والفوضى العارمة التي اعقبت ذلك، عندما سأل عن وضع القضاء وحالة مؤسساته. وما أن طمأنه مساعدوه عن حال هذه المؤسسة الحيوية (ملح الامم) حتى تسلل شعوره بالثقة والاطمئنان بعودة الحياة الى طبيعتها الى جميع من كان حوله.
نتذكر مثل هذه المواقف المترعة بالمسؤولية والحكمة ونحن نواجه أخطر التحديات المصيرية لوجود هذه المستوطنة القديمة التي اضاعت بوصلتها منذ زمن بعيد، بعد ان تحولت الدولة وقضايا الشأن العام الى مرتع وحقل مستباح لحثالات البشر وسلالات (المنحرفين) والتي صفت حساباتها مع مشروع (الأمة- الدولة).
نتذكر ذلك التشخيص الدقيق وتلك الوصفة المجربة، ونحن نستمع الى آخر الصرخات حول الحالة المزرية لـ (ملح) هذه المستوطنة القديمة، وهذه المرة على لسان عضو اللجنة المالية للبرلمان النائب هيثم الجبوري، والذي كشف في تقرير أرسله الى هيئة النزاهة؛ عن وجود مافيات خطرة للمصارف ورجال الاعمال، ولدى اللجنة المالية تفاصيلها بالأسماء والمسميات والعائلات، لكن الأشد فتكاً من تصريحات السيد النائب هو ما أشار اليه من امتدادات اخطبوط الفساد هذا الى السلطة التي فوضها الدستور والتشريعات مهمة التصدي لهذه الآفة بأشكالها التقليدية والمبتكرة بعد الفتح الديمقراطي المبين. هذه الحقيقة والتي طالما سلطنا الضوء عليها ومنذ اللحظة الفنتازية التي تم فيها الاعلان عن اندلاق وهمنا الجليل (القضاء المستقل) من رحم حطام واسلاب ما عرف بـ (جمهورية الخوف) حتى هذه اللحظة من المشاهد الغرائبية والاستباحات التي لم تشهدها مملكة الحيوان وكل ما عرفناه عن فقه الغابة.
القضاء العراقي لا يمكن أن يشذ عن ثوابت هذه الامة ومؤسساتها المنحلة أو ما اهدتنا اياه حقبة المحاصصة والشراكة وموائد الشراهة العابرة للحدود الوطنية. وكما هو حال السلطتين التشريعية والتنفيذية وذيول السلطة الرابعة الغليظة، كذلك هو حال هذه المؤسسة والتي تعرضت مبكراً لعمليات التطهير المبرمج لكل من راودته نفسه الشجاعة بالسير عكس تيار الوليمة الممتدة من الفاو لزاخو. في مضارب يفسد فيها الملح تجف فيها أضعف الآمال ولا تتذكرها قوافل البرابرة..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة