كل شيء مختلف في كارتاخينا 2ـ 2

في مدن العالم..
يتحفنا الشاعر والكاتب فاضل العزاوي هذه المرة بمقال نادرٍخص به صحيفتنا، ويأخذا الكاتب بين طيات سطوره في رحلة نحو مدينة احتضنت في يوم ما الروائي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز، ولم يتناول العزاوي هذه الرحلة بسياقات تقليدية قدر ما أفاض من روحه الشاعرة، فسكب مشاعره التي التحمت بروح المكان وجاء السرد؛ مصحوباً بذكريات ماركيز في هذه المدينة ..يسر صحيفتنا ان يخصها العزاوي بهذا المقال ويسرنا ان نضعه بين يدي القارئ في حلقتين وها نحن ننشر الحلقة الثانية والأخيرة

فاضل العزاوي*

حين وصلنا الفندق الصغير كان في انتظارنا رجل في نحو الخمسين من عمره يبدو غريباً بربطة عنقه الحمراء المنقطة بالزرقة وقبعته القش وبدلته البيضاء العتيقة الحائلة اللون التي تذكر المرء بزمن مضى، قال عن نفسه بإنجليزية مهلهلة إنه صحفي يتولى رئاسة اتحاد الكتاب في كارتاخينا وقدم لنا رجلا عجوزا يمتلك هيئة شحاذ حقيقي ظل يبتسم بلا توقف وامرأة ربما كانت في الستين من عمرها، بسنين او ثلاث أسنان ترتدي ثوبا فضفاضا باليا مع نعل بلاستيكيأطول من حجم رجلها وتتكئ على كتفه بطريقة غرامية بوصفهما شاعرين جاءا يرحبان بنا. وبالطبع لم يكن أي منهما يفهم من الانجليزية شيئا، لذلك ظلا يبتسمان لنا بلا انقطاع كبديل عن اللغة. ثم غادرونا لنأخذ قسطا من الراحة على حد قولهم، واعدين إيانا بالعودة مساء ليرافقونا في جولة في المدينة وتقديمنا الى كتابها وشعرائها. ولما كنا جائعين إتجهت مع صاحبي الشاعر السويسري الى المطعم الذي عرفنا بعد جهد جهيد أنه يقع في الطابق الأول، إذ لم يكن أحد في إدارة الفندق يعرف كلمة واحدة من الانجليزية، وهنا فوجئنا مرة أخرى بما لم نكن نتوقعه، فما أن أطللنا برؤوسنا من المدخل على داخل المطعم حتى بدا لنا أننا نقف في فوهةحمام بخار حقيقي: كانت ثمة مناضد بلا أغطية و بضع مصاطب وكراس تتكوم فوقها كائنات تشبه الأشباح راحت تحدق بنا مستغربة ومندهشة من وجودنا المتطفل في مثل ذاك المكان.
هنا التفت الي صاحبي الشاعر السويسري قائلا:
ــ ليس هذا مكانا لتناول الطعام. مستحيل، لنذهب ونعثر لناعلى مطعم ما في المدينة، معقول بعض الشيء.
وهكذا انحدرنا الى الشارع المزدحم بحوانيت صغيرة تبيعكل شيء، كما لو اننا في سوق تقليدية من أسواق الشرق القديمة. كان الشارع يمتد بموازاة الساحل المفتوح على المحيط، وبرغم الرغبة في اكتشاف المدينة، فضلنا البحث عن مقهى او مطعم مكيف نلجأ اليه، فقد كان الجو حارا الى حد لا يطاق، فضلا عن البخار المدوخ الذي كان يتجمع فوقوجوهنا ويسيل عرقاً ودبقاً يلتصق بالجسد. وفيما كنا نسير لاهثين في الشارع كان ثمة ما يشبه الكرنفال قائما على مدى الساحل الوسيع، حيث تتناثر الأجساد شبه العارية فوق الرمل او تتراكض نحو جرف المحيط الهادي الذي بدا مستكيناً وراكداً، وكانت ثمة خيول «سياحية» تعدو هنا وهناك يمتطيها سياح أميركيون عجائز في الأغلب، مولعون بإظهار قدراتهم الخارقة، يعصف بهم الحنين الى أمجاد فرسان الغرب الأميركي المتوحش.
وأخيراً عثرنا على مطعم بدا لنا حديثاً ومكيفاً ومزدحماً بالناس، تناولنا فيه وجبة شهية من السمك قبل أن نعود الى فندقنا القريب، مشيا على الأقدام.
***
كان مضيفونا المفترضون قد وعدونا بالمرور علينا عصراً، ولكنهم حين تأخروا علينا هذه المرة أيضا قررنا انتهاز الفرصة واكتشاف المدينة من دونهم. ثم عرفنا فيما بعد أن أحدامنهم لم يأت أساسا لاصطحابنا، كما وعدونا. كان صاحبي السويسري قد حصل على عنوان مركز المدينة الكولونيالية القديمة ببيوتها المبنية بالطابوق الأحمر ومتاجرها ومقاهيهاومطاعمها التي تظل مفتوحة حتى ساعة متأخرة من الليل، مستقطبة أعدادا كبيرة من السياح الأميركيين المتقاعدين بالذات. كان المساء ما يزال في أوله، ومع ذلك بدت الساحة الواقعة أمام الفندق مقفرة تماما، تجوسها قطعان من الكلاب السائبة النابحة. لم نشأ الطلب من موظف الفندق أن يدبر لنا سيارة أجرة، إذ كنا واثقين من أنه لن يفهم شيئا مما سنقوله له. لكن الحصول على سيارة أجرة لم يكن أمراً صعباً، فقد كانت ثمة سيارات أجرة تقف على مقربة من الفندق بانتظار الزبائن. زودنا السائق بالعنوان وصعدنا في السيارة التي سارت بنا طويلا في شوارع معتمة تكاد تخلو من البشر حتى بلغنا أخيرا المدينة القديمة، بحوانيتها ومطاعمها المضيئة والسياح الذين يملأون شوارعها وأزقتها. وهكذا أمضينا الليل نتنقل بين المقاهي والمطاعم والبارات ونتجول في الشوارع قبل العودة ثانية الى الفندق في ساعة متأخرة من الليل.
في الصباح خرجنا مرة أخرى الى المدينة لنتناول الفطور ولم نعد الا عند الظهيرة حيث وجدنا هذه المرة أربعة من مضيفينا بانتظارنا ليأخذونا الى موقع القراءة الشعرية المنتظرة. وهكذا خرجنا معهم. كنا نتوقع أن تكون هناك سيارة ما للنقل، لكنهم أبلغونا أن المكان قريب جداً ولا يتطلب ركوب سيارة. شمرة عصا، كما يقول العراقيون. وهكذا بدأنا سيرنا تحت شمس حارقة في جو وخم يخنق الأنفاس، ولكن لا بأس ما دام المكان قريبا. بيد أنني بعد مسير استمر نصف ساعة في الأقل شعرت أنني هالك لا محالة قبل الوصول الىالمكان الموعود. توقفت وقلت لهم: «إسمعوا أيها السادة، لست مستعدا لمثل هذه الرحلة الماراثونية، أطلبوا لي سيارة أجرةوسوف أدفع من جيبي»، لكنهم أكدوا لي أننا قد وصلنا تقريبا، خمس دقائق أخرى ونكون قد بلغنا المكان. ولكن الأمر تطلب عشرين دقيقة أخرى في الأقل. وحين وصلناأخيرا كنت أسبح في العرق والدبق ولا أكاد أقوى على السيطرة على خطواتي. لذلك ألقيت بنفسي على مصطبة ما في ظل شجرة وارفة في محاولة يائسة مني لاسترداد أنفاسي المقطوعة. وفي أثناء ذلك رحت أفكر: هل يمكن لأي إنسان عاقل في العالم أن يحضر في مثل هذا الحر القاتل في الظهيرة قراءة شعرية ما حتى لو كانت لشكسبير نفسه وقد بعث من أبديته؟ ثم حين سألت بعد أن اجتزت المحنة:
ــ حسنا، أين ستكون القراءة؟
رد علي أحد المنظمين: هنا، أليس مكاناً جيداً للقراءة؟
ـ ماذا؟ ألا توجد في المدينة قاعة يمكن أن نلجأ اليها في مثل هذا الحر القاتل؟
وجاء الجواب المفحم:
ـ كل مكان يوجد فيه الناس يكون صالحا لإلقاء الشعر.
***
كان المكان ساحة دائرية صغيرة تحيط بها الأشجار وثمة تمثال ضخم من المرمر في الوسط بدكة عريضة تحيط بهلأحد الأبطال الوطنيين. وكان هناك باعة متنقلون يعرضون بضائعهم من التماثيل الصغيرة والصور الفوتوغرافية التذكارية على سياح قليلين بالشورت والفانيلات يجوبونالمكان، ولكن لا أثر لأي جمهور محتمل جاء ليستمع الى الشعر. وكان ثمة أيضا فتى يعزف على الأكورديون وفتى وفتاة يرقصان ويقدمان ألعاباً بهلوانية مسلية، وفي نهاية كل وصلة يرمي لهم السياح ببعض القطع النقدية الصغيرة.
سألت صاحبي السويسري ساخراً: «يبدو أن هؤلاء أيضاجزء من مهرجاننا الشعري؟»
أجاب: «ولا يهمك، سنحصل نحن أيضا على حصتنا من عطايا المحسنين بعد قراءة قصائدنا. يبدو أن الشحاذة قد تطورت الى الحد الذي جعلنا نقطع المحيط الأطلسي حتى نستجدي بضع بيزات من المارة هنا على ساحل المحيط الهادي.»
وفي أثناء ذلك انضم الينا شاعر وشاعرة من كولومبيا قالا إنهما جاءا ليشاركانا القراءة. ثم حين أعلن مضيفونا بداية الحفل لم يكن ثمة سوى بضعة أشخاص يقفون في مواجهةالتمثال الذي بدا حزينا وكأنه يرثي لحالنا. كل ذلك لم يؤثر في عريف الحفل الذي ارتقى ناصية التمثال وراح يشيدبحماسة متوقدة بمواهبنا الشعرية وقدومنا من المانيا وسويسرا للمشاركة في مهرجانهم الشعري العتيد واللقاء مع جمهور كارتاخينا المحب للشعر والشعراء.
حين رأيت كل ذلك أبلغتهم أنني متعب جداً بسبب الطقس ولا أستطيع المشاركة في مثل هذا المهرجان العظيم الذي ينبغي أن يظل حكراً على الشعراء الكولومبيين وحدهم.
لكنهم رفضوا قبول اعتذاري: «لا يمكن ذلك، هل يعقل أن تأتي من آخر الدنيا الى كارتاخينا ولا تلقي شعرا على جمهورها المتلهف لسماع قصائدك؟»
ـ ولكن لا أحد هنا يفهم لغة قصائدي. ما فائدة إلقاء الشعر بصوتي؟
ـ هذا ليس مهما، أجمل ما في الشعر هو الايقاع والجمهور سوف يفهم ذلك.
لكن الشاعرة الكولومبية التي بدت في نهاية الثلاثينات من عمرها همست في أذني: «خذ الأمر كمزحة، قل أي شيء.»
وهكذا إذ وجدت نفسي محرجاً وحتى أتجنب المزيد من سوء التفاهم صعدت على الناصية، وقلت متكئا على قوائم حصان التمثال إنني سأقرأ قصيدة قصيرة لي نظمتها باللغة السومرية القديمة ورحت أهذي بكل ما يخطر ببالي في اللحظة ذاتها، بكلمات أحاول أن أستعيدها الآن من الذاكرة:
مطر
مطر
مطر
في غابة يذرعها السياب في ضجر
طولا وعرضا ساعة السحر
يوصوص الظلام بالخطر
مطر
مطر
مطر
وفي العراق دائماً
سفينة
تغرق في الطوفان
حين هبطت صفق لي بضعة أشخاص متعبين من الوقوف، وصعد أحدهم، ممتدحا ايقاعات اللغة السومرية القديمة التي نظمت بها قصيدتي ومعاتبا إياي على قراءتي القصيرة جدا، والتي أثارت المزيد من فضول الجمهور، على حد قوله، ثم ليقرأ بعضا من قصائدي التي كانت موجودة عندهم بالإسبانية. وفيما كان الشعراء يصعدون الدكة واحدا بعد الآخر ويلقون قصائدهم انزويت جانبا لأجلس على مصطبة ما وأدخن على هواي. ثم انضمت الي الشاعرة الكولومبيةبعد أن ألقت بعضا من قصائدها، حيث روت لي أنها ليست من كارتاخينا وانما من مدينة أخرى في المنطقة وانها تقيم في الفندق نفسه الذي أقيم فيه. ثم سألتني عن رقم غرفتي في الفندق لتمر علي ليلا حتى نتناقش حول مستقبل الشعر في العالم، ولكن يبدو أن أحدا ما من جماعة المهرجان سمعنا وهو يتلصص علينا، فقال ضاحكا بفجاجة:
ــ لا تصدقها، إنها لن تستطيع الإفلات من قبضة زوجها الذي يرافقها. فهو لا يتركها تغيب عن ناظره لحظة واحدة.
فردت عليه الشاعرة الكولومبية:
ـ أنت تخرف يا رجل.
ثم التفتت الي، وكأنها تتحداه:
ـ إننا في الطابق نفسه وسأمر عليك حقا.
قلت:
ـ مرحباً بك.
وهكذا ما كاد هذا الحفل الغريب ينتهي حتى اختفى مضيفونا الكارتاخينيون وكأن الأرض ابتلعتهم ولم يبق معنا سوى الشاعرة الكولومبية وشاعر آخر من المدعوين، فقررنا الإحتفال بانتهاء المصيبة التي دبرها لنا اتحاد كتاب كارتاخينا، على طريقتنا الخاصة، حيث قصدنا مطعماُ قريباً وشربنا ما تيسر من الجعة والنبيذ. وفي طريق العودة على مقربة من الفندق إستوقفتنا سيدة وقفت لتسلم علينا وتعرب عن أسفها لعدم تمكنها من حضور حفلنا بسبب انشغالهافي أمور أخرى. فعرفنا أن السيدة تعمل وزيرة للثقافة في كارتاخينا وقد بلغ بها اللطف حد انها قدمت لنا كراسا أخرجته من حقيبتها اليدوية عن برنامج وزارتها الثقافي وأبدت استعدادها لتقديم أي عون قد نحتاجه خلال وجودنا في المدينة، فقلنا لها إننا عائدان غدا الى ميدالين وإن كل شيء على ما يرام، وحين فارقتنا قالت الشاعرة الكولومبيةالمرافقة لنا إنها تلقي الوعود جزافاً، ما دام الأمر لا يكلفها شيئا.

*شاعر وروائي عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة