الأدب العبري المعاصر وأزمة الهوية

جسيكا كوهن

ترجمة: ارمانوس احمد \مجلة ادب
قبل قرن من الزمان، كان ولا يزال الأدب العبري الحديث يعتبر كظاهرة جديدة. عاش معظم مؤلفيه في مدن روسيا القيصرية والمنتشرة في جميع أنحاء الإمبراطورية النمساوية- الهنغارية. لم يمتلك الأدب العبري لأواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حدودا وطنية، واستمد كتاب الادب العبري قوتهم من اللغات والآداب القومية المحيطة بهم ومن ادب الترجمة الذي اضيف الى مفرداتهم. ربما كان الشعر والنثر مشتتا في البداية وخاضعا الى التقاليد الثقافية السائدة ، ولكنه كان أيضا ملتزم ببرنامج أيديولوجي واضح: عودة اليهود إلى أرض إسرائيل التوراتية، أرض أجنبية يصورنوها كوطنهم. فالأدب العبري، كما وصفه احد اول ممارسيه يوسف حاييم برنر، هو أدب ولد «رغم كل الصعاب.»
في القرن الحادي والعشرين، ما زال شكل الأدب العبري يتغير عن طريق التفاعل بين اللغات والثقافات المتعددة داخل وخارج إسرائيل. تبقى الترجمة وسيلة مهمة يتفاعل من خلالها قراء العبرية مع الأدب المعاصر من مختلف أنحاء العالم، اما الادب العبري نفسه فقد تمت ترجمته إلى العديد من اللغات. وعلى مر الوقت، اكتشف كتاب العبرية ايضا القوة الادبية التي تمتلكها خلفيتهم المتعددة اللغات: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، والروسية، وليس العبرية، هي اللغة الأم لبعض مؤلفي هذا الادب. على مدى العقد الماضي، اختار عدد كبير من المؤلفين الإسرائيليين – من ضمنهم مايا اراد، والحائزة على جائزة سابير، روبي نامدار- العمل والكتابة خارج حدود إسرائيل، خاصة في أمريكا الشمالية و أوروبا.
ومع ذلك، فان عدد قراء الأدب العبري لا يزال محدودا. ما هو نوع الجمهور الذي يمتلكه الأدب العبري المترجم؟ في أمريكا، نستطيع ان نفترض ان اغلبية قرائه هم اليهود الذين يريدون فهم إسرائيل بشكل افضل، اما جمهوره الثانوي فيتكون من القراء الذين يمتلكون اهتماما خاصا بسياسة الشرق الأوسط، اما اقلية القراء هم هؤلاء الذين يستمتعون بقراءة الادب العالمي على نطاق اوسع.
في الواقع، الأدب العبري الذي يمثل روح إسرائيل، و يصور انتصارات ومأساة اليهود في منتصف القرن العشرين، أو يتحدث عن «الموقف» السياسي، هو وحده الذي تمكن من العثور على قراء في أمريكا الشمالية. اغلبية هذه الأعمال هي لروائيين (ذكور) مثل أهارون ابلفلد، ديفيد غروسمان، عاموس عوز، و اي بي يهوشع. تلك القيود التي تفرض على الأدب العبري ان يتصارع مع السياسة الإسرائيلية قد مكنت لانتشار اعمال بعض الشعراء لكونها تتعامل مع هذا الموضوع مثل يهودا عميحاي وداليا رابيكوفيتش، ولكن مع ذلك، يضل وجود الشعر العبري في الترجمة الإنجليزية محدودا جدا بسبب تفضيل النثر على الشعر من الناحية الادبية الاقتصادية.
على الرغم من وجود عدد كبير من المؤلفين الموهوبين جدا في الادب العبري فان معظمهم غير معروفين في الولايات المتحدة، و لم تتم ترجمة اي من منشوراتهم الى اللغة الإنجليزية على حد علمنا. هناك عدة اعمال بارزة تتحدى ما يتوقعه العديد من القراء من الأدب العبري لانها تزعزع مفهوم الهوية العربية والإسرائيلية الذي اعتادو عليه. احد هذه الاعمال هو من تأليف مايا اراد بعنوان «استاذ القصة القصيرة» ، تتحدث فيه عن النواحي الكوميدية التي وجدتها في المجتمع البريطاني. قد يتفاجا القراء ايضا عند قراءة عمل يفتاح اشكنازي «تباً لك، زامنهوف»، والذي اكتسب تأثيره بشكل واضح من (او لي بو) الفرتسية و اعمال الخيال الامريكي بدلا من الرسائل العبرية الحديثة. عمل ألموج بيهار»للاسف، بغداد تجلس وحيدة» الشبيه بالسيرة الذاتية والمترجم من قبل ليزا كاتز، يلمح إلى الشعر العربي والتوراة عند وصفه لتجربته كيهودي عربي. عمل روي تشن «البعوضة» ينغمس في عناصر الخيال كاشفا آثار العبثية الأوروبية الروسية والشرقية. احد الاعمال المميزة ايضا هو عمل تومر جردي الاستثنائي الذي يتحدث عن الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، و يطلب من القراء ان ينظروا إلى التاريخ ويتعظوا منه.
اما في الشعر، فهناك عدة شعراء بارزين من ضمنهم مي تال نادلر الفائز بجائزة (تڤا) للشعر في عام 2014. في مجموعته الشعرية الاولى المسماة (تجارب في الكهرباء) يغير نادلر شكل الثقافة الاسرائلية بطرق سياسية، شعرية، ومثيرة للانتباه. يعقوب بيطون هو شاعر اخر ذو شهرة كبيرة في اسرائيل، له مجموعتين (إينا دادا) و التي نشرت في 2007 و (دفاتر الهزيمة) المنشورة في 2013. شعر بيتون، الذي ربته جدته المغربية اليهودية، يتناول العلاقة الشائكة بين الجنسية والهوية العرقية فضلا عن التوتر والاختلاف المستمر بين القصص الشخصية والوطنية في السياق الإسرائيلي.
في إسرائيل، اتجه النشاط الشعري والمشاركة الشعرية نحو المشاكل الاقتصادية، و بدأ عدد من الشعراء والكتاب باعتماد طرق النشر المستقلة والرقمية، كطريقة لتوضيح رفضهم لتحويل نشر الكتاب في إسرائيل الى صناعة مادية ومكسب اقتصادي ولكن أيضا كوسيلة لتضمين النشاط الاجتماعي والاحتجاج باعتباره جزءا واضحا مــن مشروعهــم الأدبـي.
المؤلف أليكس إبشتاين هو كبير مؤيد النشر الرقمي، حيث يقوم بعرض اعماله، حتى الجديدة منها، على صفحة الفيسبوك. الشاعر رون دهان، مؤسس شركة (انديبوك)، رفض كون الشعر صناعة غير مربحة اقتصاديا و اثبت العكس عن طريق إنشاء سوق المستقلة التي تدعم المطابع الصغيرة، والمــطبوعــات، والأدب التجــريبي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة