برلماني أم رئاسي لا فرق .. المعيار الكفاءة

صادق الازرقي*

تصاعدت في الآونة الأخيرة في العراق مطالب من قوى سياسية وافراد تدعو الى التحول من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي، فما مقدار المصداقية في ذلك الطرح، وهل يشكل ذلك التحول فيما لو جرى انقاذاً للبلد من مشكلاته المتفاقمة والمتزايدة.
باعتقادي ان النظام المعني سواء أكان برلمانياً ام رئاسياً، فان المعيار هو كفاءة الأداء والمهنية في العمل، سواء فيما يتعلق بالمسؤولين في الدولة او زعماء الأحزاب السياسية، وان النأي عن مسببات التقويض ومثالب البناء، والصدق والإخلاص في تبوء المناصب وما يرتبط بها من عمل بل واهداف العمل السياسي برمته، كلها تؤدي الى زرع بذور النجاح تمهيداً لقطف ثماره لاحقاً؛ فاذا توفرت مثل تلك الأمور وغيرها، لا يهم بعد ذلك ان يكون النظام برلمانياً او رئاسياً، اما اذا افتقرنا الى ذلك مثلما هو واقع الحال لدينا الآن وفي دول أخرى، عندئذ لن ينفع لا النظام الرئاسي ولا البرلماني، ولا أي شكل آخر من اشكال الأنظمة الا ما ظل في طيات الغيب!
ثمت دول تبنت النظام البرلماني، الذي يكون فيه رئيس الحكومة هو رئيس الوزراء، ويكون وضع رئيس الدولة في معظمه اعتبارياً، فأبدعت فيه ايما ابداع بعد ان توفر الصدق والإخلاص في العمل السياسي والوطني، ومن تلك الدول الدنمارك وهولندا والنرويج والسويد وإيطاليا وبريطانيا وغيرها؛ ودول أخفقت برغم تبنيها النظام البرلماني، بعد ان فشلت في تلبية متطلبات الكفاءة والمهنية والحرص ومن بينها العراق وليبيا؛ اما النظام الرئاسي الذي يكون فيه رئيس الدولة صاحب السلطة التنفيذية بنحو كامل، مثلما يجري في الولايات المتحدة الأميركية و كوريا الجنوبية والبرازيل وروسيا وغيرها ومن الممكن ضم تونس الى قائمتها، فان تلك الدول حققت نجاحات مذهلة، في حين تعاني دول أخرى تبنت النظام الرئاسي ايضاً من مشكلات كبيرة من بينها اليمن و السودان و مصر وغيرها.
المشكلة انه حتى النظام البرلماني الذي يطالب البعض بتغييره في العراق، فاننا لم نطبقه على وفق اصوله الصحيحة، كي نتمكن من بناء دولة عصرية، اذ من المعلوم ان ذلك النظام الذي تتمخض عنه الحكومة على وفق نتيجة الانتخابات العامة، يتضمن عدة صور اتبعتها الدول الديمقراطية لتحقيق النجاح وخدمة سكانها، من بينها ان تشكل الحكومة من حزب برلماني واحد نال اعلى الأصوات الانتخابية؛ او ان تتألف حكومة أغلبية يشكل فيها حزب الأغلبية الذي يشغل أكثر من نصف مقاعد البرلمان الحكومة، او ان تكون حكومة ائتلافية تتكون من بين أعضاء حزبين أو أكثر، ولكنها لا تشمل جميع الأحزاب، لكي يصل المصوتون لها من أعضاء البرلمان في الحالات المطلوبة الى أكثر من نصف عدد أعضائه؛ اما نحن فمكثنا لانعرف ما يلائمنا من تلك الاشكال في الحكم ضمن النظام البرلماني، فعمدنا الى تشويهه بتشكيل حكومات غريبة وبعيدة عن أصول النظام البرلماني، فمرة اسميناها حكومة محاصصة و اخرى قلنا عنها المشاركة، ثم بعد أن تواصل الفشل واراد الناس رؤية ثمار التغيير على حياتهم روج السياسيون لحكومة «الشراكة»، وقالوا انها الشراكة الحقيقية والوطنية هذه المرة! وغيرها من المصطلحات التي اجبرنا على التعامل معها طيلة السنوات الماضية، التي لم تنقطع فيها الممارسات الفاشلة من مؤسسات الحكومة لأنها ليست شراكة الشعب التي ظلت اغلبيته محرومة من موارد الدولة ومن الخدمات، بل انها الشراكة بين الأحزاب والكيانات وقياداتها، حكومات تشترك فيها جميع الأحزاب فتغيب المعارضة البرلمانية وهي من الشروط الرئيسة لتطبيق النظام البرلماني بفعالية، اذ يجري بظل الشراكة والمحاصصة التستر على الأخطاء، ويجري تقسيم موارد البلد على وفق اهواء السياسيين، ونصبح في الواقع إزاء نمط من التصرفات الدكتاتورية تحت لافتة الديمقراطية؛ ورأينا ذلك في اكثر من مظهر سياسي او اقتصادي او حتى اجتماعي، ومن ذلك محاولة التدخل في حيوات الناس الشخصية، و محاولة فرض ما يؤمن به السياسيون على الناس، ولن نتحدث عن الإخفاق الشامل في تطوير البلد واهمال الخدمات وافقار الناس وخراب المؤسسة الأمنية، وغيرها من النتائج التي ترتبط عوامل ديمومتها بانحراف أسس البناء وليس بنوع النظام رئاسياً كان ام برلمانياً.
اننا اذا كنا قد اعترفنا باننا اخفقنا فذلك يمثل وحده بارقة امل، بشرط ان تكون مقرونة بالعمل على وضع مصالح الناس في المقام الأول، لأن أي اهمال لذلك يؤدي الى تواصل الفشل سواء اقمنا نظاماً برلمانياً ام رئاسياً، فمصالح السكان هي الأساس ويجب تلبيتها على الفور، وان نضعها دائماً في صلب برامجنا الانتخابية وسياساتنا، والا فان أي حديث عن التغيير لا قيمة له؛ وقد لمسنا ذلك في الدورات الانتخابية السابقة حين كان الجميع يتحدث عن التغيير قبيل الشروع في الانتخابات، ويضعون لافتات عريضة لشعارات التغيير، بل كثيرا ما كانت بعض الائتلافات تغير أسماء مكوناتها التي تدخل الانتخابات، فلم ينفع كل ذلك ولم يجلب السعادة المرجوة للناس، الذين ظلوا يحصدون الوعود تلو الوعود، ولم يحوزوا في الحقيقة الا الكلام، اما الاحوال فكانت تسير من سيء الى اسوأ، حتى وصلنا الى الأوضاع الحالية التي بلغ فيها سوء أداء الحاكمين الى اقصى مدياته، فلم يعد الحديث عن تغيير النظام الانتخابي واستبدال رئيس الجمهورية برئيس وزراء يجدي نفعاً، ولن يقنع أحداً بعد ان اعدنا انتاج الوجوه الفاشلة ذاتها في كل مرة نذهب فيها الى صناديق الاقتراع؛ والسبب غياب الحرفية والصدق في العمل السياسي وما يرتبط به وليس نوع النظام برلمانياً كان ام رئاسياً.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة