الكاتب.. وعوالم شبكة الإنترنت الافتراضية

إليف شفق
ترجمة: زينة عماد

في تلك الأجزاء من العالم الذي ظلت الديمقراطية فيه لزمن طويل حلما يصعب تحقيقه، لا يمكن للكاتب أن يكون سياسيا. وعلى مر السنين، حيث أتيحت حرية الإعلام وصار التنوع شائعا في دول مثل تركيا، تحولت وسائل الاتصال الاجتماعي لتدخل المجال السياسي والأيديولوجي.
فس سنوات طفولتي المبكرة، طالما اعتقدت أن “العالم الوهمي” يمكن أن يكون أكثر واقعية من ما يسمى العالم الحقيقي. فالشخصيات خيالية التي اخترعها يمكن أن تكون، وغالبا ما كانت، أكثر حقيقية وواقعية من الناس الذين اقابلهم في الحياة اليومية. فأرض الخيال القصصي هي أرض الحقائق المقنعة التي تروى على شكل الأكاذيب الصغيرة.
لقد بدأت كتابة الرواية في سن الثامنة، ليس لأنني رغبت بأن أصبح روائية (فلم أكن أعرف حتى ان كان هناك مثل هذا الاحتمال) ولكن لأنني كنت طفلة وحيدة منطوية ويائسة، وكنت اقضي معظم وقتي في مراقبة الأشياء والناس من مسافة لا يمكن تجاوزها. كانت هناك فجوة بين عالمي الداخلي والعالم الخارجي، فجوة كنت اشعر بها تماما. لكن الكتب أنقذتني، بل ان الكتب جمعت اجزائي معا، بعضها أحبني وأنا بدوري أحببت تلك الكتب في المقابل، أحببتها بكل مافي داخلي.
كنت أواظب على تدوين يومياتي، والتي تتضمن أحداثا وشخصيات غير موجودة على ارض الواقع أحيانا. لقد وجدت ان حياتي مملة بشكل رهيب، وانني لااهتم بنفسي كثيرا، ربما لأني لم أحب كان نفسي. لقد منحنوني هوية عند الولادة، وكان لي جنسية، ودين، وطبقة، وثقافة، ولكن في عالم القصص أخذت هذه الهوية تتبخر مهما كانت صلبة. ففي القصص، كان يمكنني أن أكون أي شخص أريده، الرجل الذي يجلب لنا زجاجة الحليب كل صباح، مدير المدرسة القاسي الذي يمرر يده على صلعته لتمشيط ماتبقى من شعره، أو المطلقة الجميلة التي تسيرعلى الطريق بينما يطلق عليها البعض ألاسماء من وراء ظهرها، يمكن أن أكون أي واحد من هؤلاء الناس عند الكتابة. فقد كانت الحروف تعني لي السحر الكبير الذي يستطيع خلق معاني لانهائية وقصص لا حصر لها.
بصعوبة أستطيع فهم الانتقادات التي تنتشر على نطاق واسع بين ألادباء من أن الإنترنت هو عالم وهمييجب أن يبتعد عنه الروائيين والشعراء اذا كانوا يريدون الحفاظ على عمق التفكير، والتركيز، والنزاهة. قد يكون الإنترنت عالم كامل من الذرائع والأوهام، ولكن ذلك هو “العالم الحقيقي” –الذي علينا الاعتراف به بأي شكل من الاشكال.
وقد أتيح لي مؤخرا التفكير في كل هذا عندما وجدت نفسي في القمة النسائية الرئيسية التي عقدت في لندن مدافعة بحرارة عن موقف لم أكن أعرف أنني أمتلكه: تبرئة وسائل الإعلام الاجتماعي للناس في العالم الإبداعي. كان زملائي من أعضاء الهيئة يرون أن الوقت الذي نقضيه في وسائل الاتصالات الاجتماعية ماهو الا إهدار للوقت. “إذا كنت ترغب في الاتصال شخص، استخدام الهاتف الخاص بك، فلا داعي لكتابة بريد إلكتروني لهم، وساد الضحك في قاعة المؤتمرات. شيء في داخلي اختلف، فأنا لا أحب الهواتف، وخاصة الهواتف المحمولة، لا أحب الاستعجال، والتطفل على الاخرين، او مراقبتهم، فمن خلال استخدام البريد الإلكتروني يمكنني اختاير وقت القراءة والرد، اضافة لامكانية اختيار الشخص الذي اريد مراسلته لبريد الإلكتروني، هناك مساحة أكبر للخصوصية، الفردية، والمرونة.
هنالك شبه اتفاق بين الروائيين اليوم على عدم استخدام وسائل الاتصال الاجتماعية، فمعظم الكتاب إما يرفض الإنترنت تماما كشكل من أشكال الالهاء أو كونه عمل روتيني، إن لم يكن عبئا عليهم، (بناءا على طلب الناشريها أو الوكيل)، بينما ينظر البعض للانترنت على انه علامة على الرعونة وسطحية.
ولكن الحقيقة هي انه ليس هناك جواب عن عدد ساعات التي يمكن أن ينفقها الكاتب على شبكة الإنترنت أو ما إذا كان ينبغي أن يكون الروائيين ان يكونوا نشطاء على وسائل الاتصال الاجتماعية. كما ان لدينا طرق مختلفة من الكتابة، هناك طرق مختلفة للتفاعل مع العالم الرقمي، فما يصلح لمؤلف واحد قد لا يصلح للآخر. أعتقد أن هناك أيضا اختلافات جغرافية وثقافية التي نادرا ما نتحدث عنها، فمن الاسهل للمؤلف الأمريكي، مثل جوناثان فرانزين، توجيه اللوم الى وسائل الاعلام الاجتماعية، والمطالبة بوضع رقابة صارمة وتنظيمها بينما يختلف الامر معي انا القادمة من تركيا، أريد عكس ذلك. ففي البلدان التي مازالت الديمقراطية لديها حلما بعيدا، لايمكن للروائي ان يكون بعيدا عن السياسة، فنحن من تركيا وباكستان ونيجيريا ومصر والمكسيك نسعى دوما الى رفع الأسئلة.
في البلدان التي تسيطر على وسائل الإعلام التقليدية بدقة، تصبح وسائل الاتصال الاجتماعية مسيسة. في تركيا، 92 في المئة من مجتمع الإنترنت يستخدم وسائل الاتصال الاجتماعية، التي تشكل أعلى نسبة في العالم، وفقا لدراسة حديثة. وعلى مر السنين، ومع تقلص حرية الإعلام والتنوع في بلدي الام، تحولت وسائل الإعلام الاجتماعية الى المجال السياسي والأيديولوجي، ومنها الفيسبوك وتويتر وحتى إينستاجرام لتتعدى تبادل التفاهات اليومية، كما تحولت الى منصة سياسية للقادة.
كما فتحت وسائل الإعلام الاجتماعية أيضا آفاقا جديدة للمرأة في المجتمعات الأبوية، فاصبحت المرأة أكثر نشاطا رقميا من الرجال. في البلدان التي يتم تضمين الفصل بين الجنسين يوفر الإنترنت منطقة جديدة لوجود المراة.
هذا لا ينفي أن الإنترنت مليء بمشاكل خطيرة، فوسائل الاعلام الاجتماعية تشبه سطح القمر. قد يكون لها الجانب المشرق، كما أن لديها جانب مظلم. القيل والقال والقذف والتضليل، وخطاب الكراهية، كلها تمر عبر الانترنت. الإنترنت هي موطن للتطرف بجميع أنواعه، التربية العنصرية، للنساء، والروايات المعادية للأجانب. وهو أيضا الهاء خطير بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في التركيز على مجال واحد. وهو ايضا يعطينا افتراض زائف مفاده أننا نعرف الأشياء في حقيقتها ووقتها، لكن الهوة بين المعرفة والحكمة كبيرة.
يحتاج الكتاب لتحصين نفسه من الداخل، الداخل الذي تنبع قصصنا منه. يجب علينا أن نكون انتقائيين وحذرين حول مقدار الوقت الذي نقضيه على شبكة الإنترنت، لنجد فيه مايمكن ان يضيف لنا نحن شخصيا ككتاب. انا افضل تويتر لا الفيسبوك، أجد تويتر أكثر ملاءمة للانطوائية، أغرد بلغتين التركية والإنجليزية. لا للقيل والقال، بل لأكتب عن الكتب والأفكار والثقافة والفن والسياسة والمرأة. يجعلني ذلك سعيدة بأن أرى من يتابعني من بلدة نائية في الأناضول وكيبيك أو دلهي أو أدنبرة.
وفي نفس الوقت، عندما تزعجني الطبيعة غير المنضبطة والفوضوية للإنترنت، أعتقد، بان علينا دوليا ووطنيا ان نتخذ خطوات رئيسية للحد من خطاب الكراهية ضد الأفراد والأقليات. فاستخدام الإنترنت بعين ناقدة ومن خلال العقل الواعي هو التحدي الذي يواجهنا في بعض الأحيان. ولكن رفض وسائل الاعلام الاجتماعية لكونها سطحية أو وهمية أو تافهة هو شيء آخر تماما. لانه من يعرف اكثر منا نحن رواة القصص بأن أفضل الحقائق موجودة في عوالم وهمية؟

عن مجلة الادب اليوم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة