قراءة في معرض الفنان المصري صلاح المليجي

بوح على حافة الرمزد. ياسر منجي

خلال تَقَلُّبات المسيرة الحضارية، كانت مرايا الصورة الفنية مَجْلُوَّةً دوماً، ومتأهبة لاصطياد ما ينعكس عليها مِن شواردِ قرائحِ الفنانين، الذين استقطبَهم فضول استطلاع أسرار تلك العلاقة الجسدية/ الأنثوية/ الطبيعية، واستدرَجَهُم غموضُ معانيها وتشَعُّبُ مَسَالِكِها، مُؤجِّجاً لديهم رغبة الكشف والاكتشاف، ومثيراً فيهم تحدّياتِ فَضّ مغاليق رموز تلك العلاقة وتَتَبُّعِ علاماتها.
وقد كان تاريخ الفن العالمي حافلاً – منذ أقدم عهود فنون ما قبل الحضارات – بالشواهد الدالّة على استحضار الفنانين لوَمضات تلك العلاقة، في فنون مختلف الثقافات؛ بدايةً من تسجيل اختلاجات الجسد الأنثوي في طقوس السحر التعاطُفي وجولات الصيد البَرِّية، التي حفظتها لنا تصاوير كهوف ما قبل التاريخ، مروراً بالاحتفاء بقوى الخصوبة مجسَّدةً في أعضاء المعبودات الإناث، اللائي لعبن أدوار (الأم الكبرى) بمختلف الحضارات القديمة شرقاً وغرباً، وتخليد النِسَب البنائية الكاملة للجسد، المذكر والمؤنث، باعتباره امتداداً كونياً أصغر MICROCOSM للبراح الكوني الأعظم MACROCOSM في منحوتات الإغريق والرومان، والاقتناص الشعائري لسطوة اللذة وسُلطة الغريزة، باعتبارها تجسيداً لتفاعُل قوى الكون بأجلى معانيها في منحوتات كهوف (أجانتا)AJANTA الهندية، وصولاً إلى استعادة أساتذة النهضة RENAISSANCE لتراث الاحتفاء البصري بهذه العلاقة الطبيعية/ الجسدية، وإعادة الاعتبار لها بعد قطيعةٍ وهَجْرٍ ألقَى عليهما تقشف العصور الوسطى وإفراطُها في النُسْك ظِلالاً كثيفة مِن الإدانة.
في إطار هذا التراكم التاريخي والجمالي، تأتي أحدث تجارب الفنان المصري صلاح المليجي، الممثلة في معرضه المُعَنوَن (على الحافة)، المقام بالقاهرة خلال شهر يونيو 2015، لتُمَثِّلُ اقتحاماً لِنَسَق العلاقة الطبيعية/ الجسدية، التي عالجها من خلال مجموعة من المسطحات البصرية بالغة الثراء، التي يبلُغ فيها اللونُ حداً من الرهافة إلى درجةٍ تستوجب التأمُّل. فحين نطالع هذه السلسلة من اللوحات المُكَوِّنة لِنَسَق العرض، نرى الطيور، التي سبق وأن لعبت أدواراً مِحوَرِيّة في بعض أهم تلك المراحل، تُمارِس حضوراً فاعلاً داخل سياق التجربة الحالية؛ إذ نراها تلعب دور الشهود التي تُبارِك ائتلافَ شخصيَّتَي الحبيبَين الشاخِصَين في لوحة (الملاك الحائر)، حيث تحتشد في الثُلث الأيسر مِن مسطح اللوحة، في مساحةٍ منفصلةٍ خَطِّيَّاً ولونياً عن فضاء مُناجاة البطَلَين أحدِهِما للآخر، غير أن انفصالها يعادِلهُ اتصالٌ مَعنَويّ، ينبعُ من تقمص تلك الطيور دور الكورَس المسرحي CHORUS، المُرَدِّد لنبض الحكاية المحورية الكامنة في قلب اللوحة، فضلاً عن المُشابَهة المُستَتِرَة التي تربط تلك الطيور بالكيان الأنثوي المُجَسِّد لشخصية الملاك؛ عن طريق تماثُلِها معه في التركيبة المُجَنَّحة للجسد، وهو تماثُلٌ نراه كذلك في لوحة (عروسُ بحرٍ مُجَنَّحة)، التي بدت فيها الطيور هنا أكثر حيويةٍ فيما يختص بإيقاع الحركة، التي تبلغ ذروة التوتُّر بسبب اقترانها بالحالة اللونية الساخنة، التي تتناقضُ مع برودة الدرجات الزرقاء المُهَيمِنة على جسد عروس البحر المجنحة وفضائها البحري المُكَوِّن لثُلثَي العمل السُفلِيّين. وفي هذه اللوحة تحديداً، نرى المليجي وهو يستثمر خبرته التقنية الثرية، في معالَجَته الملمسية لسطح الثلث العلوي مِن مساحة اللوحة – الثلث المحتوي على العصافير – وذلك حين يمزج فيه بين أداء التلوين المباشر بالفرشاة، مع تكثيف العجينة اللونية في بعض المواضع، إلى حد الحصول على مواضِع ناتئة عن سطح اللوحة، مع تطعيم هذا الأداء برَشّ طبقات رقيقة من اللون المُسال، على نحوٍ مَكَّنَه مِن تحقيق الإيهام البصري بفوران زَبَد الموج الحاجب لرأس عروس البحر، وهو الفوران نفسُه الذي يُعطي عنف حركة العصافير منطقيتها، ويربطها في ذات الوقت بالظواهر الطبيعية، والمخزونة لدى المتلَقّي في خبراته المُشاهَدة في حركات طيور البحر خلال لحظات هياج سطحِه وفوران دفقاته المائية.
تلعب العصافيرُ إذَن دوراً محورياً في تجربة المليجي الحالية، لتتحوّل العصافيرُ مِن ثَمَّ إلى رمزٍ ملازمٍ للشخصية الأنثوية المُتناوَلَة في صميم التجربة، مُغازِلَةً لدى المُتَلَقّي تراكمات الاقتران الحضاري بين الطيور والأنثى، في تجلياتِها العاشقة، والجامحة، والمأساوية، لنستعيد معها أصداء حَمائم سميراميس، و فينوس، والطيور المُحَوِّمَة حول نوافذ بطلات حكايات الحب المأساوية في قصائد شعراء (التروبادور)، والأقاصيص الشعبية.
في هذا السياق المكثف – دلالياً وبصرياً – يعاود الهدهد الظهور بقوة، مُستبدلاً حضوره العَدَمي المُنذِر بالموت المحتوم – والذي طالما وجدناه جاثماً على تكوينات مراحل سالفة لدى المليجي – بحضورٍ آخر أكثر حيوية، ربما لم يتخلّص تماماً مِن دلالته الرمزية المقترِنة بأفكار (موت المُحِبّين) وممارَسات السحر الجالبة للعِشق في تراث الشرق، غير أنه يبدو هنا أكثر قدرةٍ على تكثيف دلالاتٍ بعينِها، قد تكون مباشِرةً نوعاً ما؛ كما في لوحة (ليل ونهار)، حين يحتل مكان القلب مِن شخصية (النهار)، معبِّراً بذلك عن تَجَذُّر الهوى وسطوة العاطفة، وقد تجنح آناً آخر للمزج بين الغاية التكوينية والتَرميز؛ كما في لوحة (وجه وطيور)، حين تندفع الهداهدُ بقوةٍ صَوب وجه الشخصية الذكورية، المُعادِل المعنوي للكيان الأنثوي، ليتحدَّد بذلك مسار الحركة في تكوين اللوحة، ولتتحدَّد في الوقتِ ذاتِه هوية الوجه، مِن حيث هو غاية اللوحة ومَقصِدُها ونواةُ الفِعل الكامِن فيها.
ولا تتوقف استعادة المليجي لمفرداته وعناصره المألوفة على هذه المفردات والعناصر فقط، بل تتعداها إلى توظيف مفرداتٍ وعناصر أخرى، يأتي في مقدمتها الوجه البشري، الذي سبق وأن احتلّ مرحلةً مهمة من مراحل تطوّره الفنية، حين كان لا يزال منشغلاً بفن الصورة الشخصية (البورتريه)، الذي بلغ من اهتمامه به أن دارت أطروحته للماجستير حول تاريخه ومدارسه وأشهر أقطابه. كما تأتي مفردة القناع لتحتل مكاناً محورياً مَثيلاً داخل التجربة، لتستحضر بدورها دلالاتٍ مكثفة، تستمد تأثيرها البالغ مِن قوة التراث الحضاري المرتبط بالقناع – شعائرياً وسحرياً واحتفالياً ورمزياً – في مختلف الثقافات والعصور، إضافةً لاقترانه نفسياً وأدبياً بتداعيات أفكار المُخاتَلة، والتَلَوُّن، وتعدُّد الأدوار، والاحتجاب، وكبت حقيقة المشاعر، وهي جميعُها معانٍ لا تنفصل عن الإطار العام لتجليات الأنوثة، حين تُراوِح بين الجموح والخُمود، وبين الإسرار والإعلان، وبين الإقبال والإدبار.
وبرغم استحضار المليجي للجسد مُشَخَّصاً، مُرَكِّزاً على تَجَلّيه الأنثوي، فإنه لم يقع في فخ الفجاجة الحسية المباشرة، ولم تستدرجه غواية الاسترسال في التسجيلية، أو ابتذال الجسد وحَصْرِهِ في قوالب غريزيةٍ أو استعراضية زاعقة، بل نراه يستحضره استحضاراً محسوباً، يقف به في خانةٍ تُراوِح بين المُكاشَفة التامة والتسطيح القصدي، الذي يوائم ضرورات المعالَجة الملمسية والتكوينية للمسطح التصويري؛ فمفرداته تهيم هنا في أنساقٍ لونيةٍ خالصة، لتروي بالصورةِ قصصاً صامتة، تتردّد في أصدائها نبراتُ بَوْحٍ يتأرجَحُ على حافة الرمز.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة