الأخبار العاجلة

رشيد بوجدرة.. الحرية هاجس نصف قرن من الكتابة الروائية

د. واسيني الأعرج: باريس

خمسون سنة مضت ولا شيء تغير فيه، ما يزال رشيد كما عرفته في سنوات الانتشاء وسنوات الخوف. عندما أصدر في باريس روايته الأولى (التطليق) في 1969، بعد أحداث 68 الشبابية في فرنسا المنادين بالحرية، أحدث ضجة كبيرة حتى اعتبرها الكثير من النقاد بأنها كانت فضيحة أدبية لكنها في الوقت نفسه أبانت عن تجربة روائية خاصة ومميزة، لا تشبه في شيء التجارب الكتابية باللغة الفرنسية لسبب بسيط، أنها لم تكن جريئة فقط، ولكنها لم تكن أيضاً مقلدة ولم تنسج على مثال غيرها، بل كانت منذ ولادتها الأولى، في 1969، خلاقة. نص التطليق لرشيد بوجدرة نشر في الشرطية المقاربة التي تحكمت في تجديد بروست، إذ إن أدب ما بعد الاستقلال كان غارقاً في سعادة اكتشاف البطولات الثورية، ومتماهياً مع حاضر إشكالي وغير مرئي، لصالح ماض ثوري ظل في أفق الخطاب دون أن يتحول إلى قوة ثقافية دافعة إلى الأمام. خطاب مسطح، أملس، وبلا أية نتوءات حقيقية؟ النصوص التي صاحبت ذلك الواقع كانت تدور من جهتها في فلك الخطاب الانتشائي إلى أن جاء تطليق بوجدرة، فغيَّر النظام كله. لقد سمح إعادة اختبار المسلمات لرشيد بوجدرة أن يضع نفسه في صلب تحولات ما بعد الاستقلال بجرأة نقدية لم تتوافر في غيره إلا عند كاتب ياسين ومحمد ديب، ومولود معمري أو جيل من الشباب الذي أصابته الخيبة والقلق الكبيران وتخمة الخوف، من واقع أصبح يعيد إنتاج نفسه، بعد أن سقطت عنه كل الخطابات وتعرى من خلال هزات ما بعد الاستقلال العنيفة كانقلاب العقيد هواري بومدين ضد أحمد بن بيلا، وإضرابات الطلبة في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات مع الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين الذي تم حله وقتل وتشريد قياداته، وأحداث 88 و الحرب الأهلية التي امتدت من 1993 حتى 2003 وهو ما أطلق عليه العشرية السوداء. فجأة فتح الجزائري عينيه على واقع جديد لم يعرفه إبان الثورة الوطنية.
من هنا، نستطيع أن نقول إن بوجدرة يشكل حالة روائية جزائرية خاصة. منذ البداية اختار المسالك الصعبة ولا يمكن فهمه جيداً إلا بالعودة إلى هذه اللحظة التي ستشكل جوهر مساره على الصعيد الموضوعاتي وعلى الصعيد الجمالي أيضاً. حتى في البنية الروائية اختار رشيد البنية المتشظية الحداثية التي على القراءة من أجل فهمها، إعادة تركيبها من خلال النظر إلى فسيفساء أجزائها الدقيقة والمتناثرة هنا وهناك لتشكيل النص، وهو ما يطلق عليه فولغانغ إيزر ومدرسة كونسانس، فاعلية القراءة التي ليست أبداً فعلاً منجزاً سلفاً ولكنها تنشأ من جهد القارئ أيضاً. أي أن هذا الأخير لم يعد خارج النص ولكنه أصبح في صلبه وعمقه. يتبدى ذلك في كل نصوصه اللاحقة الكثيرة التي تشكل اليوم مدونة الكاتب الروائية الرئيسة، طبعاً خارج نشاطه الفني والسينمائي واليومياتي، من (ضربة شمس) إلى (الحلزون العنيد)، (طبوغرافية مثالية لجريمة موصوفة)، ثم (ألف وعام من الحنين)، (معركة الزقاق) و(ضربة جزاء) و(فوضى الأشياء) التي أعاد فيها النظر في التاريخ المتقادم المحمل بمعلومات تحتاج إلى إعادة نظر. حتى رواية (انبهار) و(الجنازات) ورواية (فندق سان جورج) و(الصبار) لم تخرج عن هذا القلق الذي تنبني عليه أسئلة رشيد بوجدرة الأدبية والسياسية، المركزية. في كل هذه الممارسة الروائية الضخمة والمثيرة للجدل، اختار رشيد بوجدرة المسلك الصعب في الكتابة التي تحولت لديه إلى رهان تاريخي وجمالي ينشأ من القدرة على استيعاب التحولات المجتمعية في عز تألقها وفي أقاصي انهيارها، ولكن أيضاً من التحولات الجارية في النص العالمي وعمقه وجمالياته كما هو الحال في الرواية العالمية، ألف ليلة وليلة، ابن عربي، سيلين، كلود سيمون، فولكنير، ماركيز وغيرهم، من الذين شكلوا علامات مرجعية وجمالية في كتابات بوجدرة التي بينت في تناصاتها المختلفة والحيوية أن الجهد الروائي العالمي يشكل وحدة إنسانية تتصادى، تتقاطع وتنفصل أيضاً في منجزها وفي قيمها. من انقلاب 65 إلى انتقال الحركة الإسلاموية المتطرفة من السياسة إلى الجريمة، كما في التسعينيات، ظل الروائي رشيد بوجدرة مصغياً لكل التكسرات الحاصلة في عمق المجتمع دون أن يعيد إنتاجها، لأنه عندما يكتب روائياً، يصبح الفعل السياسي ثانوياً، فينتصر النص المكتوب على الخطاب الجاهز. ودفع الروائي لذلك ثمناً غالياً وباهظاً من المطاردة والتنقل المستمر والمنافي الكثيرة، بعد انقلاب 65، والخروج إلى فرنسا، إلى المطاردة الإسلاموية في 93، عندما وُضع اسمه على رأس قائمة من يجب اغتيالهم.
خمسون سنة من الكتابة الروائية عند رشيد بوجدرة، تحتاج إلى جهد أكثر وأكبر، لفهم آليات اشتغالها وتمايز منجزها. لكني أعتقد أن هذا بعض جوهرها الذي بني على جهود حياتية وكتابية حيوية، أسس فيها لمشروع خرج عن الفردية والمحلية ليتحول في النهاية إلى مشروع إنساني لم يرتض السهولة والجاهز، ولكنه خاض في الجوهر وفي الممنوع، بحثاً عن هاجس مركزي تقوله كل رواياته من التطليق حتى الصبار، هو هاجس الحرية الذي لا يختلف عن هاجس الحداثة التي ليست في النهاية، إلا حرية مطلقة في الحياة والمجتمع وفي النص الإبداعي، الروائي تحديداً.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة