كناكش داعش بداعش “جمال جصاني”

في مثل هذه الاوقات من الضياع والعتمة والمحن نجد انفسنا؛ نترنح وسط متاهات تلك العبارة الخارقة لزجر الزمان والمكان: (صرت كناكش الشوكة بالشوكة، اداوي بكم وانتم دائي). ماحل بنا جميعا نحن شعوب وقبائل وملل “خير امة” من دون الناس جميعاً، هو نتاج أصيل لما احتضنا من عقائد وقيم طوال قرون من السبات والغفلة، حتى صار العار والمذلة والخنوع جزء لا يتجزأ من ثوابت هذه المضارب المنكوبة. غير القليل من نجوم وفرسان المشهد الراهن؛ لا يمل ولا يكل من وصف داعش بأحط ما نمتلك من مفردات وعبارات، من دون الالتفات لحجم الشعبية والجماهيرية التي يحظى بها هذا التنظيم الاجرامي والهمجي على هذه التضاريس الممتدة الى المنافي البعيدة، ومنها التي أكرمتها الأقدار بشرعة الاعلان العالمي لحقوق الانسان. تتحدث الارقام عن أكثر من مئة دولة تمد دولة “الخلافة” في العراق والشام بالجيل الجديد من مهاجري ما بعد الحداثة، ممن وضعوا نصب أعينهم مهمة الوصول الى جوائز العالم الآخر. لا أحد منهم يطيق رؤية المغزى الحقيقي لهذا السرطان القيمي ونوع البرك الآسنة التي احتضنته طوال قرون من الاكاذيب والعبودية وقهر عقل وضمير عيال الله.
ان هذا الطفح من ثوابت “الدعشنة” لن يكون الأخير في سلسلة الكوابيس المتربصة بنا منذ أكثر الف عام وعام، ولن نحصد غير الخيبة والهوان، ان لم ننعتق من دوائر وهمنا العضال (مواجهة داعش بداعش). ان المعركة ضد الاجرام والارهاب ورأس رمحه الحالي (داعش) لا يمكن ان تنتشلنا من دوامة الفشل والعجز التاريخي الطويل هذا، من دون الوعي العميق بشروط هذه المنازلة التاريخية وطبيعة المصل المضاد والناجع في مواجهة هذا الوباء القيمي والذي اختصره الاشقاء النيجيريون بعبارتهم الشهيرة (بوكو حرام) أي الحداثة حرام. الحداثة هي الضد النوعي لكل اشكال الدعشنة القديمة منها أو المبتكرة، لا أوهام الاحزاب الاسلاموية المعتدلة والتي برهنت الاحداث على انها الخطوط الخلفية التي تمد مثل هذه الهلوسات بما تحتاجه من امدادات ودعم. وما حقيقة الوقت الطويل الذي ستستغرقه هذه المنازلة والذي لا يطيقه سدنة الفرهود الوطني الحالي، الا تعبير عن هذا الخلل الجلل في موازين القوى الحالية، حيث العتمة والفساد والهذيانات العقائدية هي المهيمنة، وتحتاج الى وقت وجهد وقوى جديدة كي نشهد انعطافات حقيقية في المصائر التي تنتظرنا عند نهاية النفق. ان مواجهة داعش بسرديات من الترسانة ذاتها التي أمدت هذا الوباء بكل ما يحتاجه من قوة؛ لن يفضي لغير جولات متجددة ومبتكرة من الضيم والخيبات..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة