الجيش وأُفق التوقعات

د. عامر الوائلي

إن الأحداث الدامية التي عاشها العراق بين سقوط مدينتي الموصل والرمادي تختصر محور الرغبة الذي يشكل الصراع على السلطة في العراق بين فرقاء متعارضين في الأهداف والغايات وكل منهم يستبطن العداء الى مشروع الدولة العراقية الحديثة. وقد جاءت الظروف بأن جعلت الأكثرية تدفع أثماناً غالية مقابل الحلم بدولة تعددية يمارس فيها الجميع العيش المشترك ، بممارسة الطقوس الخاصة ونيل الحقوق الإنسانية بالعيش الكريم . الا أنّ الأحداث كل يوم تمارس سياسة الصدمة والترويع بحيث دائماً هناك تحول مربك يأتي بأحداث جديدة ، والمتأمل في الأسباب والمسوغات يجدها ذاتها .
إنَّ متابعة أحد أعمدة العملية السياسية او منجزها ، والحارس على استمرارها المؤسسة العسكرية . ولعل من الأسباب التي رافقت إضعاف هذه المؤسسة كثيرة منها التشويه الذي ادخله النظام السياسي الملكي ثم الجمهوري الذي جعل منها مؤسسة تحرص على تأكيد نظام طائفي يستبطن تراتبية معينة في توزيع السلطة تمثلت بالموجه العثماني الملكي في تأكيد حاكمية طائفة على بقية الطوائف . وهذه تتخذ من المؤسسة العسكرية تمظهراً لها ثم ممارسات النظام الشمولي السابق الذي جعل من هذه المؤسسة السوط الذي يلجم من خلاله الحاكم الآخرين عندما يخرجون عن مسار ورغبات السلطة الحاكمة مما جعل من تلك المؤسسة حجر عثرة في التحول . ومكمن خوف الأكراد ومشروعهم الانفصالي ، والشيعة ومشروعهم في تقاسم السلطة ، بالشكل الذي يجعل من هذه المؤسسة تقوم على نسق جديد تعبر عن تراتبية التوزيع الجديد للسلطة ومن اجل هذا كان لابد من تغير جوهري في المؤسسة العسكرية .
يقابل هذه التغيرات موجهات غربية وعربية رافقت حرب الخليج ، وهي ترغب في استثمارها بنحو يتناسب طردياً مع مصالح كل منها فالاميركان بحاجة الى خلق فراغ امني يجعل من البلد ضعيفاً ويحتاج الى حماية يفتح الباب الى بناء قواعد ومشاريع تسليح . عربياً هناك خشية من عراق موحد يمثل تهديداً ، لهذا تجد تلك الدول سياسة التفتيت والتقسيم إزالة الى هذا الأمر وهو أمر تشارك فيه بعض الدول الإقليمية التي تتنافس مع السعودية على لعب دور الدولة المركزية في تسيير سياسة المنطقة . وهنا بدا توظيف الموجهات الطائفية بكل حمولتها الرمزية في الصراع على النفوذ الإقليمي.
لكن لو تجاوزنا الإطار التاريخي الى بنية العوائق التي يعاني منها الجيش او المؤسسة الأمنية بنحو عام فان الأمر لايمكن أن يختصر بشراء السلاح بل الإرادة التي تستعمل السلاح ، ومن هنا تنبع الحاجة الى تغيير أسلوبنا وآليات تفكيرنا من اجل حماية مصالحنا التي تقود الى حماية الآخرين بغض النظر عن سياسة الرغبات المستحيلة التي تجعل من يمارس الإرهاب شريكاً ومن الفاسد قائداً فإنهما بالضرورة سوف يمارسان تهديم البناء والعمل على إزالته من اجل تحقيق غاياتهم الشريرة التي تهدد الاستقرار والتعايش . لكن لايمكن أن نعدم وجود شركاء حقيقيين يحرصون على مكوناتهم وليس مصالحهم الشخصية وهذا أيضا يقود تلك المكونات الى النظرة الموضوعية للأحداث والابتعاد عمَّن يخرب البلاد ويقود الى تعميق الهوة وجلب الإرهاب واستبطان التوحش.
فالخيار في البحث عن شركاء حقيقيين في الطرف الآخر يحتاج الى مزيد من الصبر ، فالذي رافقنا في مقاومة الشمولية والاستبداد والاحتلال واليوم الإرهاب الأصولي والتطرف القومي كل من الخطرين يستبطنان عنف الأبد من روح مقاومة وحكمة تواجه هذا الأمر وتجد له العلاج الناجع خصوصاً واليوم هناك ممكنات كثيرة أتاحت لنا أن نعيد ترسيم حدود التعايش والمشاركة في إدارة السلطة والتوزيع العادل لخيرات على من يشاركنا الأمل في عراق حر تعددي موحد . فعلينا أن ندرك إن مشكلتنا ليست في سنواتنا التي ضاعت وما رافقها من خسائر أليمة ومفجعة كان للشركاء ادوار ظاهرة او خفية في القتل بدم بارد والإرهاب الأعمى بحجج كثيرة من اجل مواصلة الضغط . ولكن في سنواتنا المقبلة التي حتماً ستضيع إذا واجهنا الأصولية الإرهابية والتطرف القومي بالعقلية نفسها.
وانطلاقاً من هذا فإننا نجد من مسببات الأحداث والخسائر تكمن في التوصيفات التالية :
فان الجيش يعاني على مستوى القيادات (البعض )منها قائمة على الولاء الطائفي ، وهي من ناحية ثانية رهينة الكتل السياسية وليس المهنية والكفاءة مما يجعل من تلك القيادات فاقدة القدرة على الاستقلالية في اتخاذ القرار على أسس عسكرية . والتنازع السياسي يظهر بعنف على مستوى سلوك المؤسسة العسكرية ، فلابد من النظر في بناء الجيش على أسس تراعي الولاء الى الوطن والدستور كما جاء بعد صناديق الانتخاب لكن الصراع السياسي يحول دون هذا ويجعل من المؤسسة العسكرية مخترقة امنيا ويجعل منها مكشوفة وضعيفة اتجاه العدو وحلفائه داخل العملية السياسية .
هذا يبدو مقصوداً لدى بعض الشركاء في العملية السياسية الذين يريدون للجيش أن يكون ضعيفاً مخترقاً وليس قوياً حتى لا يهدد أمنهم وكياناتهم البديلة عن الدولة . وهذا بالتأكيد يسهم في إضعاف الأمن ، يغذي هذا أن بعض الأطراف تحاول تجريد الجيش من الشرعية الوطنية برغم إن تلك القوى والقيادات تسهم بفعل المحاصصة في قيادة الجيش لهذا هي تسهم في توزيع القيادات وتأخذ جزءً منها الا أنها برغم هذا تمارس محاربة الجيش وإسقاط الصور النمطية عليه عندما تنعته كونه (جيشاً طائفياً) وتسقط عليه تسميات تبرر الأعمال الإرهابية بحق الجيش بل إنها تحرض عليه من الخارج وتمارس تدميره من الداخل .

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة