القصاص من القتلة أم احترام الدستور؟

سلام مكي *

التفجيرات اليومية التي يشهدها البلد، والوضع الامني المنهار في عدة مدن، واحتلال آخر، يعني بالضرورة، ان ثمة ارهابيين، يملكون وسائلهم الخاصة في تنفيذ اجنداتهم، ومخططاتهم، والقول بوجود معتقلين بتهمة الارهاب، هو نتيجة حتمية لما يشهده البلد. المشرع العراقي، وضع قانوناً للإرهاب، سنة 2005 ايماناً منه بأن الارهاب اصبح ظاهرة خطيرة تهدد كيان المجتمع ووجوده، ولابد من الحد منه، عبر تشريع القوانين التي تجرم الفعل الارهابي، نتيجة لغياب هذه الظاهرة قبل سقوط النظام. جدل وانتقادات، رافقت تشريع القانون وتطبيقه لاحقاً، بدعوى انه موجه ضد طائفة معينة، والغرض منه استهداف تلك الطائفة ونتيجة لهذه الحجة يجب الغاء قانون مكافحة الارهاب، مما يعني جعل الارهاب عملا مباحاً، اذ لا جريمة ولا عقوبة الا بنص. ولما يئست الكتل السياسية المطالبة بإلغاء القانون، تحولت الحملة الى تنفيذه، اذ ان المتهمين بالإرهاب، على كثرتهم، خصوصاً من حكم عليه بالإعدام، نراه اليوم، يملك جيشاً من المحامين برغم عدم توكيله احداً، حتى الارهابيين العرب، ثمة من يدافع عنهم من العراقيين، دعاة حقوق الانسان الارهابي القاتل فقط! في حين لا نجد احداً يدافع عن الضحايا. القضاء من جانبه قدم تضحيات كبيرة مثله مثل الاجهزة الامنية في القاء القبض على الارهابيين ومحاكمتهم، اذ قتل الكثير من القضاة جراء الاحكام التي اصدروها بحق الارهابيين، ولكن، لا احد ينفذ تلك الاحكام، برغم مرورها من التعقيدات القانونية والادارية والروتين الحكومي الذي جاء رحمة للإرهاب، بل العكس، ثمة من يريد اطلاق سراحهم عبر سن قوانين العفو العام والخاص وغيره، اما المشكلة الاساسية التي تواجه تنفيذ احكام الاعدام هي رئاسة الجمهورية، فالدستور نص على اختصاصات رئيس الجمهورية ومنها التصديق على احكام الاعدام! رئاسة الجمهورية وطوال المدة الماضية، لم تقم بواجبها الدستوري، فلم توقع على احكام الاعدام، برغم الضغط الشعبي، ولما استشعرت الحرج، اوكل السيد رئيس الجمهورية السابق، نائبه للتوقيع على احكام الاعدام. اما الرئاسة الحالية، فلم تقم بواجبها كالسابق، ولم توقع على احكام الاعدام، وللخروج من هذا المأزق، قررت وزارة العدل، اقتراح مشروع قانون، يبيح تنفيذ احكام الاعدام من دون الرجوع الى رئاسة الجمهورية وهو ما لقي موافقة رئيس البرلمان سليم الجبوري. هذا الموقف من الجبوري، استدعى شن حملة من قبل حقوقيين ونشطاء بعضهم مهجرين خارج محافظاتهم بفعل الارهاب نفسه، ولكن الغيرة الطائفية تغلبت على معاناتهم. انتقدوا رئيس البرلمان بشدة وذكروه وهو رجل القانون بأن الدستور اوجب مصادقة رئيس الجمهورية على احكام الاعدام، وان بفعله هذا، انما يخرق الدستور! ان خرق الدستور عندهم، يتوقف على اعدام الارهابيين الذين ارتكبوا مجازر بحق الابرياء، ومارسوا ابشع الاساليب في قتل وترويع الآمنين. في حين لم يحركوا ساكناً، عندما يمتنع رئيس الجمهورية عن تطبيق الدستور والقيام بواجبه في تصديق احكام الاعدام. الغيرة على الدستور والانتفاض على خرقه، لم يأت الا بعد مسه للطائفة، برغم ان المحكومين بالإعدام في قضايا الارهاب، ليسوا من طائفة واحدة، والسجون والمعتقلات موجودة في البصرة والحلة والناصرية كما هي موجودة في بغداد وديالى وصلاح الدين، ثم ان المدن التي ينتمي اليها المعارضون لتنفيذ احكام الاعدام، هي المتضررة الاولى من الارهاب، فلماذا لا يريدون تطبيق القانون على الارهابيين؟ لماذا يقرنون محاربة الارهاب، بالطائفية؟ ان من اسباب ازدياد ظاهرة الارهاب في البلد، وانتشاره في جميع المدن العراقية، هي الاقلام التي تدعمه، وتحارب من يحاربه، عن طريق القول بأنه استهداف طائفي! في الجهة الاخرى، ينتشر الفساد الاداري والمالي، نتيجة لعدم تطبيق القانون وعد أي محاولة لمحاسبة مسؤول هو استهداف لطائفة ذلك الوزير، لكن هنا، أي شخص يتهم بالإرهاب، حتى لو كان كاسباً، فثمة من يدافع عنه، من منظمات وشخصيات ومثقفين وكتاب، يدافعون عنه في جميع مراحل ارهابه، منذ ممارسته للإرهاب، وحتى القاء القبض عليه ومحاكمته وتوكيل محامين للدفاع عنهم، وفي حال ادانتهم، يتم السعي لإصدار قانون للعفو عنهم بحجة انهم ابرياء وضحايا للمخبر السري والتطبيق السيء للقانون وغيرها من الاعذار والحجج الواهية، ولما يكتسب قرار الادانة درجة البتات، وتنتقل مسؤولية تنفيذ الحكم برئاسة الجمهورية، تبدأ المساومات السياسية لعرقلة المصادقة على اعدامهم. ان موقف رئيس البرلمان هو موقف وطني يدل على مدى قناعته بضرورة تطبيق القانون واحترام القضاء وان تطبيق القانون جزء اساسي من عملية استعادة الامن، ذلك ان الارهابي الذي يرى ان من سبقه في هذا الطريق لم يحصل لهم شيء، وربما يكرمون فيما بعد، سوف يوغل في اجرامه بحق الابرياء، وعندها لا داعي لوجود القانون اذ يفقد وقتها قيمته الرمزية كرادع ومانع من ارتكاب الجرائم. ثم ان احقاق الحق، القصاص من القتلة والمجرمين اقدس من الدستور الذي ينتهك يومياً ولا احد يعترض.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة