الحشد والبوصلة الغائبة “|جمال جصاني”

بعد ان تهاوت المساحيق الغليظة عن حقيقة مؤسسات ما بعد “التغيير” وخاصة العسكرية والامنية منها، في فضيحة سقوط ثاني أكبر المدن العراقية (الموصل) بيد ما يسمى بدولة العراق والشام الاسلامية (داعش)، برز الى الوجود الكيان الضد لكل هذه المناخات والبرك الآسنة التي انتجت ذلك الوباء الذي افترس ثلث التضاريس الوطنية، الا وهو؛ الحشد الشعبي. حيث اندفعت جموع الكادحين غير الملوثين بادران ولائم المحاصصة وكرنفالات القضم الوطني، الى حيث ساحات التضحية والايثار دفاعاً عن حرمة الوطن والناس. في الوقت الذي اخلت الارتال العسكرية والامنية والتي استنزفت القسم الاكبر من الموازنة الوطنية، مواقعها أمام عصابات شذاذ الآفاق وحثالة المجتمعات البشرية، تدافعت حشود فقراء هذه المستوطنة القديمة للتصدي لهذا الوباء القادم الينا من كهوف نجد وقندهار ومفاقس الفلول المسكونين بوهم استرداد فردوسهم المفقود.
غير ان هذه الوثبة الشجاعة وكما هي المئات مثلها على مر التاريخ، لم تلبث ان تحولت الى صيد ثمين للمخلوقات والجماعات المتخصصة باقتناص مثل هذه الحماسة والمآثر الشعبية، لتشفط البطولات والتضحيات لصالح مشاريع ترميم الأمجاد الشخصية والمآرب الفئوية الضيقة. أمام هذه الوثبة الشعبية سبل عديدة، منها ما يمكن ان يفتك بها وبكل تطلعاتها النبيلة، عندما تشرع الابواب امام قوارض المنعطفات التاريخية كي تمتطي صهوتها وتمسك بلجام جموحها المشروع، وهناك ايضاً الأمل بأن تتحول الى بداية انعطافة في التحرر من كل ذلك الارث الثقيل من العبودية والظلامية والخنوع، بعد أن تسترد بوصلتها الامينة لحقوقها المهدورة، وحيث يتسلم الراية جيل جديد من الزعماء لا يمت بصلة لكل هذه البرك الآسنة التي اوصلتنا لهذه الهاوية من التشرذم والضياع.
لا يحتاج هؤلاء الناس البسطاء الى فزعات اخرى من بضائع التبجيل والتقديس المجانية، بقدر حاجتهم للرعاية والادارة المسؤولة والشجاعة والتي لا تضع نصب عينيها غير حرمة ومصالح سكان هذا الوطن المنكوب من شتى الرطانات والبيارغ والازياء، الى هيئة أركان تدرك جيداً لعبة موازين القوى محلياً واقليمياً وعالمياً وعلى دراية عميقة بمكر ودهاء تجار ومشعلي الحرائق والمهالك، كي لا تتحول هذه الموجة الجديدة من التضحيات الى مجرد رقم آخر في بورصة المصالح العابرة للحدود الوطنية والقيم الانسانية. الحشد الشعبي وروح الايثار التي لا يمتلك غيرها هؤلاء المتطوعون يجب ان تتحول الى رافد اساس لاعادة بناء العملية السياسية وما تبقى من مشروع الدولة العراقية، لا أن ترفع من شأن أمراء الطوائف والملل وفرسان حقبة ما بعد “التغيير” التي أهدتنا كل هذه السيول من الهلوسات والكوارث والكوابيس..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة