العفو العام.. تجريم للضحايا وتكريم للجناة

سلام مكي *

ان التشريع في العراق، خرج من كونه ضرورة اجتماعية الى ضرورة سياسية، اي بمعنى ان المؤسسة التشريعية، لا تشرع قانوناً بناءً على حاجة المجتمع له، او لوجود ضرورة او حكمة من تشريعه، وانما هناك ضرورة سياسية فقط، ضرورة التوافقات والاتفاقات بين الكتل والاحزاب المشاركة في الحكومة. مشروع قانون العفو العام، المرسل الى مجلس النواب، يمثل ضرورة سياسية بحتة، لا علاقة لها بالمجتمع ولا بالحاجة الفعلية له، بقدر ما هو ثمن تقدمه كتل سياسية الى كتلة اخرى لقاء مشاركتها في الحكومة. هذا المشروع، برغم اقراره من قبل مجلس الوزراء، الا ان هناك دعوات الى اعادته اليه، بسبب وضع استثناءات على المشمولين به، وخصوصا المتهمين بالإرهاب. كتلة تحالف القوى الوطنية، تريد ان يشمل القانون جميع المتهمين والمحكومين بقضايا الارهاب، لأنها تعتقد ان جميعهم، اتهموا لأسباب بعيدة عن القانون، لكونهم ينتمون الى طائفة معينة! مما يعني ان لا وجود لأي عملية ارهابية من تفجير او تفخيخ او قتل على الهوية، وان المدن التي ينتمي اليها المعتقلون، لا تشكل حاضنة للإرهاب، وهم يوالون الحكومة ومع الدولة. والواقع الذي يقول: ان بغداد وغيرها من المحافظات، تشهد في اليوم الواحد عشرات التفجيرات، يذهب ضحيتها العديد من العراقيين الابرياء، بين شهيد وجريح، مندون ان يتم تعويضهم او القصاص من الجناة. للأسف، ثمة من يحاول تشريع القوانين التي تحمي الجاني، ولكن لا احد يحاول ان يشرع قانوناً لحماية المجنى عليه، اما قانون تعويض ضحايا الاعمال الارهابية، فهو لا يسمن ولا يغني من جوع، اذ ان مبالغ التعويضات التي حددها هذا القانون، لا تتناسب مطلقاً، مع ما خسروه. ناهيك عن الروتين، الذي يؤخر تمشية المعاملات لسنين عديدة. نعم هناك من سجنوا ظلماً، نتيجة وشاية المخبر السري، أو حتى لأسباب طائفية، ولكن: هل هذا الكلام يشمل الجميع؟ ثم ان وضع المخبر السري، لرديف للطائفية، مخالف للواقع، اذ ان الاخبار عن الجرائم، لابد ان يكون من قبل اشخاص من مدينة المتهم ذاتها ، كما ان السلطات القضائية والتنفيذية، ايضاً تنتمي الى المكان ذاته ، فما يصدر من فساد لا علاقة للطائفة الاخرى كما يزعمون، اما اشاعة فكرة الاستهداف الطائفي من قبل القضاء، فهو كلام مردود، على من يقوله، اذ ان المحافظات الوسطى والجنوبية، تملك سجونا، ومعتقلات نزلاؤها من تلك المحافظات نفسها ، كما ان محاكم الوسط والجنوب، تنظر يومياً، عشرات القضايا المتعلقة بالإرهاب. قبل ايام نشرت جهة مجهولة الا من الاسم، تقول: ان احدى محاكم الجنوب، حكمت على مدانين بالإعدام، والسبب ان قضاتها من طائفة معينة والمتهمين من طائفة اخرى، ثم سردت في بيان مطول قصصاً واخباراً، لا يعلمها الا الراسخون في القضاء، ناهيك عن الشتائم والسب بحق القضاء. ان اصلاح اي جهة رسمية، لا يمكن ان يتم عبر الشتم والسب، واطلاق التهم جزافاً، من دون التحقق من صحتها، وهذا دليل على ان ذلك الطرف، لا يملك أدلة كافية لتسويق قضيته او الدفاع عنها بشكل تام، والا، كان استعمل الحجة المنطقية في طرح فكرته. ثم ان جميع الكتل السياسية، ارتضت ان تكون السلطة القضائية التي يفترض انها ليست طرفا في الصراع السياسي المزمن بين الاحزاب والكتل، جزءا من المشكلة، ارتضت ان يكون القضاء، جزءا من حلبة الصراع الدائر فيما بينها، فهي لم تحاول وضع قوانين وتشريعات، تعاقب من يمس سمعة القضاء، ولم تحاول تعزيز استقلاليتها عن السلطات الآخر. حتى ان قانون مجلس القضاء الاعلى، الذي تم اقراره سابقاً، تم الطعن به، بحجة عدم دستوريته. المشكلة ان كتلة تحالف القوى الوطنية، ترى ان العفو جاء ليحرر الابرياء والمظلومين من السجن، في حين مشروع القانون يقول في مادته الاولى: يعفى عفواً عاماً عن العراقي المحكوم بالإعدام او بإحدى هاتين العقوبتين… وكأنهم يريدون تثبيت الجرم بحق من يدافعون عنه، وهم بهذا الكلام، انما يقولون للعالم: ان القضاء العراقي غير نزيه ومسيس، كونه يحكم على الابرياء، لمجرد انهم ينتمون الى طائفة غير طائفة القاضي! كما ان هناك طرقاً قانونية غير طريق العفو، يمكن سلوكه، بدلا من التسبب بخروج المئات من المجرمين والارهابيين، خصوصا وان الوضع الامني، لا يحتمل وجود المزيد من الارهابيين، اضافة الى ان السجون، اصبحت مدارس، تخرج الكفاءات المتخصصة بالقتل والتفجير، من دون ان تتدخل ادارات تلك السجون. الحكومة العراقية اليوم، ونتيجة للإجراءات القانونية المعقدة، والتي لا ترضي كثيراً من الاطراف المتطوعة للدفاع عن المدانين، تتسبب في تأخير تنفيذ الاحكام بحق المدانين. ووجود هذا الكم من المساجين داخل السجون يكلف خزينة الدولة العراقية مبالغ طائلة، فالدولة، تنفق على شخص محكوم بالإعدام، قتل وفجر، اكثر بكثير مما تنفق على انسان عراقي بريء، حر، لم يرتكب أي ذنب في حياته. اذا كان تشكيل الحكومة، ثمناً لإطلاق سراح ارهابيين ومجرمين، وتجاهل الضحايا وتكريم المجرمين والجناة، فالأفضل هو البقاء بلا حكومة، او وضع حد، لهذه الانتهاكات بحق العراقيين، فهم يقتلون مرتين، مرة على يد الارهاب، ومرة اخرى على يد السياسيين، الذين يعقدون اتفاقات فيما بينهم لتحرير الجناة، وتأمينهم من العقوبة. ليعودوا يمارسون الاجرام نفسه ، وحتى يلقى القبض عليهم مرة اخرى، يكونوا قتلوا العشرات من الابرياء، وسوف تأتي حكومة جديدة، يشترط عليها مرة اخرى تشريع قانون للعفو العام، حتى يشترك بها.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة