إعلام ما بعد التغيير “جمال جصاني”

بالرغم من مرور ثلاثة عشر عاماً على تبخر المظاهر الخارجية لما كان يعرف بـ (جمهورية الخوف)، الا ان «التغيير» الموعود والذي تصلبت اقدام اجيال عديدة في انتظاره لم يظهر بعد. التغيير الذي يتيح لسكان هذا الوطن المنكوب من شتى الرطانات والازياء من العيش كبقية الامم التي اكرمتها الاقدار بشرائع وقيم غير مسكونة بفضلات الأحقاد الغابرة. ليس هذا وحسب بل نجد أنفسنا عاجزين تماما عن وقف تدحرج عربة «التغيير» صوب المنزلقات الأشد فتكاً بمصير الوطن والناس. والسؤال عن حالة الضياع الشامل هذه لا يمكن فصلها عن نوع وطبيعة القوى التي تلقفت مهمة السلطة الأشد تأثيرا على عقول وعواطف وقناعات المجتمع افرادا وجماعات أي (الاعلام) بمجساته الاخطبوطية والمتنوعة من منابر ورقية الى سمعبصرية وما تجحفل معها من وسائل اتصال اجتماعي والكتروني.
الأورام الرابعة هذه لم تأتِ من فراغ، وهي تمثل امتدادا لشوط طويل من انحطاط العقول والمعنويات، حيث ذلك الحطام الهائل من البشر والاقلام والاجهزة المنحلة المتفننة بنقل عدتها ورطانتها من كتف الى كتف اخرى برشاقة تحسدهم عليها أشهر القرقوزات العالمية. كما ان المخلوقات التي استوطنت المنطقة الخضراء بأمس الحاجة للاستعانة بمثل تلك المواهب والخبرات في مجال فتل عنق المعلومة والاخبار صوب معالفهم ومشاريعهم الآسنة. ومن يتابع حجم التأييد وطوابير التهاني المتدافعة عند أبواب «محبوبة الجميع» في عيدها الـ 146 يندهش لمثل هذا الاجماع المحلي والعروبي والاسلاموي والاممي في ابراز مشاعر التضامن مع هذه المؤسسات والحوانيت الملوثة بكل موبقات حقبة ما بعد التغيير.
كل هذا الانحطاط والكوارث ما كان يمكن لها ان تكتسح ما تبقى لنا من مساحات بائسة في العيش الآدمي، لو كنا نمتلك فعلاً مؤسسات ونقابات واتحادات مهنية، تنهض بمهامها في التصدي لكل هذا الطاعون القيمي والذي تمثل دولة الخلافة (داعش) سنامه الأعلى. لم يكن بمقدور مشاريع الكوابيس هذه ان تتحقق، لولا هذا السيل الواسع من أحصنة طروادة التي عبثت بنحو لا مثيل له بمقدرات الحظيرة الرابعة، ومهدت الطريق لعودة الفلول الى حيث السلطة والدراهم والقرار.
لو كنا نملك كسرة اعلام حر ومستقل، ماكنا نصل الى ما نحن عليه من ذل وهوان وانتهاكات لادنى متطلبات الحياة الآدمية الراهنة. الكلمة الحرة والمستقلة والمهنية هي نتاج لشوط آخر غير ذلك الذي خلف لنا كل هذا الحطام من الملاكات والرطانات والوجوه التي اختفت من قاموسها مفردة الحياء..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة