أدونيس: أستغرب كيف يتوسل قادة العرب تركيا التي دمرتنا على مدى أربعمئة سنة (2-2)

«أهم نتاج عربي الآن هو الفن التشكيلي»
تواصل ثقافة «الصباح الجديد» نشر الجزء الثاني والأخير من الحوار مع الشاعر العربي أدونيس، الذي يتحدث فيه عن موضوعة «داعش» و»الشعر العربي» اليوم.. أعدت نص الحوار سارة ظاهر، وراجعه وحرره صقر أبو فخر.

*هل استطعنا، طوال تلك الفترة، أن نبني مجتمعا؟
– كلا، لأننا لم نهتم بذلك، اهتممنا بالسلطة وحدها. الإسلام سلطة. وثقافة السلطة كانت دائماً هي المهيمنة. السلطة العنفية لمَن غلب. وإذن، كلامنا عن الديمقراطية، وعن حقوق الإنسان وحرياته لا معنى له إلا إذا غيرنا هذه النظرة.

* ماذا عن محاولة إصلاح الدين؟
– الدين لا يتم إصلاحه. الدين إما أن تؤمن به أو لا تؤمن.

* هذا ما يدفعنا إلى الانتقال إلى نقطة تتحدّث عنها دائماً، وهي نظرتك إلى الثقافة العربيّة الآن. وهي غير قادرة أن تتخذ لها مكاناً في خضم ما يجري الآن، بل تبدو على هامش الصراع الدائر حالياً.
– قبل الإجابة عن هذا السؤال، أعطني مثقفاً عربياً واحداً، من المحيط إلى الخليج، طرح سؤالاً أساسياً واحداً على الإسلام. أعطني كتاباً طرح سؤالاً عن قيمة الوحي معرفياً اليوم. كيف ستنتج معرفة في نظام ثقافي يهيمن عليه الوحي.
مَن ساءل الوحي؟ مَن طرح سؤالاً عن كينونة المرأة في الإسلام ككائن حر مستقل سيّد نفسه وسيّد مصيره؟ ليس هناك مفكّر عربي واحد طرح مثل هذه الأسئلة على الإسلام. الماركسيون وضعوا الدين بين هلالين وعدّوه توفي.
أقصى ما وصل إليه المفكّرون العرب أنهم عدّوا أن من الضروري قراءة النص الديني بصفته نصاً تاريخياً. بمعنى أنّ النص القرآني نشأ في ظروف معينة، هذه الظروف تغيّرت، لذلك يجب النظر إليه كنص تاريخي. ولكن لا يكفي أن نقول إنه يجب النظر إلى النص الديني كنص تاريخي. يجب أن نسأل ما هذا النص؟

* تقول إنّ الثقافة الحالية لم تطرح أي سؤال، ماذا طرحت أنت كمفكّر عربي؟
– على الرغم من جميع الاتهامات التي وُجّهت إلي، لم أطرح أياً من هذه الأسئلة الأساسية.
أنا لم أسأل ما القيمة المعرفية للوحي، ولم أعالجها. صحيح أنني أشرت إليها، ودرت حولها لكنني لم أجابهها. أنا لم أجابه السؤال الأساسي الآخر، وهو المرأة. اليوم يتم وضع النساء في الأقفاص وبيعهنّ بقروش، ولم يصدر بيان رسمي واحد يدين هذا الموضوع! أين نعيش؟ يجب أن نجابه هذه الأمور كلها بصراحة كاملة وإلا لن نستطيع أن نخرج من هذا المستنقع.

* هل فضحت «داعش» صراحةً هذه الأفكار والخلفيات الدينية السائدة؟
– لو قرأنا التاريخ جيداً لما كنا نحتاج إلى «داعش». وإلى شناعة مثل هذه. وما يزيد الوضع سوءاً هو أنّ بعض المناهج العربية لا تسمح بالاطلاع على كتب مهمة وضرورية، حتى أنّ بعض المكتبات الأساسية تحجب عن الطلاب كتب ابن رشد!

* بالانتقال إلى الثقافة والأدب، ترد في قصيدة «الوقت» العبارة التالية: «قل لنا يا لهب الحاضر». أنتَ ماذا ستقول؟
– لا أدري، «يا ريت أعرف». هذا يعكس أزمتنا. يجب ألا نقارن أنفسنا بالغرب. أي هل كان الغرب سيئاً أو عظيماً.
ولكن، مع ذلك، حقق الغرب خطوات أساسية في صراعه ضد الدين خصوصاً، وفي ثورته الصناعيّة. والمثقف في الغرب، أصبح جزءاً عضوياً من بنية المجتمع، يعبّر بحرية عن أفكاره، ولا أحد يسيء إليه أو يعاقبه.
بهذا المعنى، لدى المثقف قدرة على التأثير، لأنّ المجتمع، في الجامعة والمدرسة والحياة العامة، يعترف بالمثقف ككائن مستقل موجود.
أما في ثقافتنا العربية، وهي ثقافة وظيفية، والمثقف موظف، فلا تتم قراءة النص كنص، بل يُقرَأ كاتبه.
مَن هو؟ ما هي انتماءاته؟ في أي حزب هو؟ أما النص فلا يُقرَأ. والمثقف العربي إجمالاً تابع أو موظف ليست لديه حرية كاملة. إذا كنت لا أمتلك حرية جسدية كاملة، والجسد جزء من هذه الحرية، مثل العلاقة بالله والمرأة، وإذا لم أكن قادراً على التعبير بحرية كاملة عن هذه الأمور المرتبطة بي، عما سأعبّر؟ عن أفكار عامّة؟ في آدابنا، نجد، في الرواية مثلاً، نساء جريئات يتحدّثن عن علاقة جنسيّة كاملة. لكن العلاقة الجنسية جزء بسيط من ثقافة متكاملة.
أي لا تستطيع، عبر هذا الأمر الذي تتحدّث عنه، أن تزلزل قيماً، وأن تزلزل مجتمعاً وثقافة اجتماعيّة أو تاريخيّة… دائما تأتي الكتابة في الإطار الفردي الخاص، وهي خطوة جيّدة في أي حال ولكن إذا تناولناها على مستوى الجرأة، نجد أنهم كانوا في الماضي أكثر جرأة. الكاتب اليوم، إذا لم يزلزل التاريخ بكامله، لا يستطيع أن يفعل شيئاً. وحتى يزلزل التاريخ بكامله يجب أن يكون حراً. وهذا ما نفتقده في عالمنا العربي اليوم.

* في ما يتعلق بالشعر، لديك موقف سلبي مما صار إليه الشعر العربي.
– أولاً، أود أن أذكّر، أنه إذا ما كان هناك أي شخص في العصر الحديث نشر للشعراء الحديثين وشجّعهم، فهو أنا. لذلك كان موقفي دائماً مع كل ما هو جديد.
والذي قمت به من أجل الشعر، قمت به من أجل الفنون الأخرى كالرواية والفنون.
لكن حتى تكتب قصيدة جميلة وعميقة عن «وردة» مثلاً، عليك أن تعرف بيولوجيا وتاريخ وعلم البيئة. نحن العرب نكتب قصيدة عن وردة قد تكون جميلة، لكن فكرنا محصور في هذه الوردة نفسها. لا يوجد أي خلفيّة إنسانية أو ثقافية خلفها.
القصيدة يجب أن تكون شريحة كبيرة، ضمن حدودها. يجب أن يشعر القارئ أن هذه القصيدة مفتوحة على جميع الاتجاهات، كالرواية التي يجب أن تكون شعراً وفلسفة وتاريخاً. هناك بعض الشعراء يكتبون قصائدهم ويطبعونها، وعندما يصعدون المنبر يجهلون كيفية قراءتها! هذا لا يطاق. ثمّ تسأل أحدهم هل قرأت المتنبي؟ أبا نواس؟ يضحك! إن من لا يقرأ اللغة التي يكتب بها، ولا يعرف جماليتها، كيف سينتج جمالاً جديداً؟

* ما هو أهم نتاج عربي الآن؟
– أهم نتاج عربي هو الفن التشكيلي. صار أهم من الشعر. أصبحت لغة الشعر مسوّرة، هناك كلمات، إذا ما دخلت القصيدة أو الرواية، تمنع سلطات الرقابة الديوان والرواية! الفهم الديني السائد دمّر اللغة العربية لأنه حدّدها، إما بحجة دينية وإما بحجة تشويه اللغة من خلال استعمال بعض المفردات، في حين أن العرب القدامى لم يكن لديهم أي حاجز على الإطلاق. كانوا يستعملون كلمات يونانية أو فارسية ويعرّبونها.
اللغة العربية مليئة بكلمات أجنبية. لذلك فإن اللغة العربية تختنق اليوم. أنا أفضل كاتباً يكتب رواية باللغة العامية على كاتب يكتب لغة عربية «كرشونية».

* لكن اللغة تمرّ بمسار طويل فيه منعطفات وتحولات.
– هذا مؤكّد، ولكن على الإنسان أن يحترم أدواته.

* هل ستموت اللغة العربية؟
– لا أحد يعلم. إذا كانت اللغة اليونانية التي كتب بها أرسطو وأفلاطون ماتت، علاوة على لغات أخرى ماتت… فلا يوجد أي مانع يحول دون موت اللغة العربية. المأساة الكبرى، هي أن هذا الإسلام الذي جاء بهذه الثورة اليوم، يتحوّل إلى الهرب من كل تجربة روحيّة كبرى، ليصبح مجرّد سلطة. لدينا مليار ونصف المليار مسلم في الكرة الأرضية، ليس فيهم مفكر إسلامي واحد.
اللغة العربية تعيش أزمة كبرى، ومَن لديه أولاد يعي هذه الأزمة ويعيشها جيداً. والمشكلة ليست في اللغة العربية، فهي لغة عظيمة، بل تكمن مشكلتها في طرق تدريسها. مشكلتها ثقافية، أي أنّ مشكلة اللغة العربية تأتي هي من خارجها، وأول أسباب ذلك الدين الإسلامي، وعدّها لغة مقدّسة.

* لكنها سبق أن عاشت عصور نهضة وانحطاط.
– عصر النهضة أحيا اللغة التقليدية. التي كانت فقدت حيويّتها، وفقدت شعريّتها. من أحمد شوقي إلى حافظ ابراهيم، هؤلاء أحيوا النماذج التقليدية القديمة، ولم يحيوا اللغة التي نشأت في القرنين الرابع والخامس الهجريين، حين تمرّد الشعراء، أول مرة، على الأنموذج العربي.
لم يتكلّموا على الأفكار والآراء والقضايا، بل تحوّلوا إلى الحديث عن القنديل والكرسي، أي خلقوا لغة يوميّة شعريّة بديعة جداً. وصار الشعر يتكلّم على الأشياء وليس على الأفكار.
وبدلاً من أن يكملوا بهذه الطريقة عدوه انحطاطاً، في حين أنني أراه من أجمل عصور الشعر العربي.
وهؤلاء أحيوا القصائد التقليدية كالتي ظهرت على أيدي البحتري وأبو تمام والمتنبي، والتي كانت جميلة في زمانها، لكنها استُنفِدَت كلغة شعرية.
لذلك أنا أرى أنّ عصر النهضة هو عصر انحطاط على مستوى اللغة. وكأن هناك في البنية العقلية السائدة ما هو ضد كل ما هو حديث. حتى قصيدة النثر، لم تدخل الذائقة الأدبية العربية، وما تزال بعض الجامعات ترفضها.

* هذا يقودنا إلى مستقبل الشعر.
– ما دام الحب موجوداً فالشعر موجود.

* جيل اليوم يعود إلى الكلاسيك. يكتب قصيدة موزونة على غرار التفعيلة. كيف تفسّر ذلك؟
– أعظم شيء في الشعر أنه لا يُحدّد. متى حدّدت الشعر قتلته. وهو قابل لأن يتخذ جميع الأشكال. المهم اللهب داخل الموجود في اللغة التي يكتب بها الشاعر.

* ما هي أسوأ الفنون اليوم؟
– الكلمة العربية «تعبانة» من جميع النواحي. ما هو الفن إجمالاً؟ أن تعطي أسماء جديدة للأشياء، وأن تسمّي الكون من جديد.
الكلمة اليوم قاصرة عن ذلك، إما بسبب منها، أو منا، أو بسبب الوضع الثقافي العام والوضع السياسي.
هناك انهيار هائل بحيث أن الكلمة باتت مقصوصة الأجنحة، ما عاد في إمكانها أن تقدّم مشروعاً. وهي ظاهرة موجودة في أوروبا أيضاً. يمكن أن تترجم في الخارج بسبب طغيان العصر الصناعي والانترنت. جميع ذلك يضعف النتاج الشعري. الأمر نفسه ينطبق على العالم كله حيث هناك عناصر تفسّر هذه الظاهرة. ولكن في العالم العربي كيف يمكن تفسير ذلك؟ ليست لدينا تقنيات أو صناعات، وما نزال مجتمعاً رعوياً طائفياً وقبلياً… حياتنا كلها مشكلة. وأعتقد أن ما يعذبنا أكثر أن في تاريخنا الثقافي المعاصر لم نجابه المشكلات بصراحة، ولم نحلّلها ونفكّكها كي نعرفها. وأنا أستغرب يا عرب كيف أنّ بلداً مثل تركيا، حيث ظل العثمانيون على مدى أربعمئة سنة يدمّرون العرب لغة وثقافة وتاريخاً وها هم قادة العرب يتوسلونهم.
لا يوجد أسوأ من تاريخ كهذا، أي أن تكون تركيا قائداً من قادة الثورة العربية. يجب أن نتعاون جميعنا كي نكشف الخلل ونسعى إلى القضاء عليه. المسكوت عنه في المجتمع العربي هو ميدان الكتابة والشعر.
ونحن نطوّق المسكوت عنه أكثر فأكثر ونتحاشاه أكثر فأكثر.

* لكن هناك كشف للمسكوت عنه.
– في إطار واحد. المرأة تتحدّث عن جسدها بحريّة، لكن هذا لا يكفي. خاصة أن الجسد المحكي عنه هو جسد ثقافي، في حين أنّ الجسد الذي يجب أن ينفجر هو الجسد الخاص، الحميم، الأنثوي، جسد الهواجس والأحلام والحريات… بحيث أنك إذا قرأت رواية لسيّدة أو رجل، لا تقرأ ما يشبهها عند آخر.
أقرأ جسداً معيّناً بمشكلات محدّدة، لأنه بذلك سوف يضطر كاتبه إلى أن يخرج من الثقافة العامة إلى ذاته. لا يوجد أي إنسان يحلم الحلم ذاته الذي يحلمه آخر، حتى لو كان شقيقه.
نحن نشترك في العموميات فحسب. لذلك ما تزال ثقافتنا وكتاباتنا في إطار المشترك العام، الذي هو نقيض كامل للإبداع الخاص.

* تعيد ثقافة «الصباح الجديد» تقديم هذا الحوار مع الشاعر العربي أدونيس، الذي نشر قبل أيام في صحيفة «السفير» اللبنانية، لما تضمنه من آراء في السياسة والثقافة وفي الراهن العربي، لاطلاع القارئ العراقي عليها، أعلاه الجزء الأول، سيليه الجزء الثاني السبت المقبل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة