انتهازيون على باب الله؟ “علي عبد العال”

«فنّ» الانتهازية هو أحد الفنون السياسية إذا ما أخذنا بالقول القائل أن السياسة هي «فنّ» الممكن. وهو فنّ ليس بالصعب جدا، ويقرب تمثيله من الأدوار الثانوية الهابطة التي يقدمها بعض الفنانين على المسرح أو السينما. لا يتطلب الأمر من السياسي الانتهازي سوى التأقلم سريعاً مع المتغيرات السياسية الجديدة، بل بسرعة البرق، وإلا يتحول مجرد انتهازي رخيص بلا أمجاد عظيمة.
مهنة الانتهازي في بلد خطير كالعراق، بل هو المكان الأخطر بالعالم للعيش فيه، يتطلب المزيد من المهارات الإضافية التي يقف على رأسها الحفاظ على الأمن الشخصي والابتعاد قدر الإمكان عن التصفيات الجسدية من قبل الانتهازيين الآخرين الأكثر نفوذا. إنها مهنة وإن بدت بسيطة لكنها مهنة شاقة أيضا. ما يفصلها عن العمل السياسي النظيف هو المنفعة المادية الكبيرة التي يجنيها السياسي الانتهازي في حين ربما يؤدي الأمر بقرينه المناضل الشريف إلى الموت شنقا أو إعداما بالرصاص من أجل المبادئ. السياسي الانتهازي لا يفكر بالمبادئ أكثر من تفكيره بالمصلحة المادية والشخصية. وأحيانا لا يتطلب الأمر بالنسبة للانتهازي السياسي أكثر من المظاهر، كأن يطلق لحيته ويحمل مسبحة من فئة الـ 101 وبعض الملابس الرزينة من دون ربطة عنق مع طقم رمادي لا هو بالأسود ولا الأبيض. تلك هي متطلبات المهنة في عراق اليوم، وهي ليست بالصعبة على الإطلاق. مهنة السياسي الانتهازي تتبسط اليوم ويروج سوقها لقلة السياسيين الأكاديميين المحترفين والمناضلين الحقيقيين الذين انصرفوا عن ميدان السياسة إما تصفية وتسفيها وإما عزوفا شخصيا. وهكذا أفرزت الساحة السياسية العراقية شريحة كبيرة من صنف الانتهازيين التي تنمو كالفطر السام في ظلمة المستنقع السياسي العراقي الراهن. فنرى اليوم العراق كدولة تعج بهذه الشريحة الاجتماعية والسياسية الخطيرة من جميع الأصناف والأنواع والأشكال وأكثرها ظهورا الانتهازية الدينية وبالأخص الانتهازية الطائفية.
في المبدأ الطائفي المقيت ظهرت علينا أسماء زعامات سياسية ودينة ومن جميع الفئات والطوائف وراحت تتبارى ببث سمومها الطائفية من غير حدود ومن غير وازع ضمير ديني أو أخلاقي. ما يفعله السياسي الانتهازي امر بسيط بالظاهر، لكنه الأخطر بالواقع الميداني. مرض الانتهازية السياسي يضرب جذوره بالساحة السياسية العراقية بحيث لم يعد المواطن العراقي يفرّق كثيرا بين السياسي الشريف المناضل والسياسي الانتهازي الذي يريد ويطمح لجني المحصول الخبيث في سلته الخاصة.
قصارى القول أن رفعة وشموخ السياسي الأكاديمي والمناضل الشريف هي تاج لا يمكن أن يحصل عليه أي انتهازي وضيع حتى وإن استشهد المناضل بينما يجلس الانتهازي في صفوف القضاة المأجورين على كراسي النطق بالحكم الأخير.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة