الأخبار العاجلة

ملاحظات حول الدستور العراقي الدائم 6

انطلاقاً من توجهات “الصباح الجديد” في أن تكون صفحاتها منبراً للأفكار الموضوعية المنتجة التي تسهم في دعم وتعزيز المسيرة الوطنية ، يسرنا ان نضيف في هذه المساحة الأستاذ الدكتور نديم الجابري أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد وعضو لجنة كتابة الدستور في سلسلة ملاحظات حول الدستور العراقي
الملاحظة السابعة :
يسجل على الدستور العراقي الدائم انه لم يضع نظام الحكم ضمن هوية واضحة المعالم حسب التصنيفات المعتمدة في النظم السياسية . اذ من الصعوبة تصنيف نظام الحكم العراقي ضمن منظومة النظم السياسية المعروفة .
إذ انه , لا يحتسب هذا النظام نظامًا نيابيًا لفقدانه عنصر التوازن بين السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية كما معمول به في الانظمة النيابية التقليدية . اذ يلاحظ ان الدستور منح الحق لمجلس النواب بسحب الثقة من الحكومة ( المادة 61 فقرة ب ) , في حين لم يمنح الدستور لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس النواب اذا تعسف بسحب الثقة من حكومة ناجحة , او اذا اخل بواجباته اخلالا جسيمًا على الرغم من ان الدستور احتسب رئيس الجمهورية راعيًا للدستور في ( المادة 67 ) .
و في الوقت ذاته , لا يمكن احتساب نظام الحكم العراقي نظامًا رئاسيًا , و ذلك للأسباب الاتية :
1 – لوجود رأسين للسلطة التنفيذية و ليس رأسًا واحدًا كما معمول به في الانظمة الرئاسية المعروفة كالنظام الاميركي مثلا . حيث اشارت ( المادة 67 ) الى ان السلطة التنفيذية الاتحادية تتكون من رئيس الجمهورية و مجلس الوزراء .
2 – اضف الى ذلك , ان رئيس الجمهورية لا يتم انتخابه من الشعب مباشرة كما معمول به في الانظمة الرئاسية , انما ينتخب من مجلس النواب حسب ( المادة 61 ثالثًا ) . كما ان رئيس مجلس الوزراء , برغم انه يعد المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة حسب ( المادة 78 ) الا انه لا ينتخب ايضًا من الشعب مباشرة , و لا ينتخب من مجلس النواب ايضًا , انما يرشح من الكتلة النيابية الاكبر. ثم يكلف من رئيس الجمهورية بتشكيل مجلس الوزراء حسب ( المادة 76 ) . ثم يقوم مجلس النواب بمنح الثقة للوزراء منفردين و ليس لرئيس مجلس الوزراء حسب ( المادة 76 رابعا ) . و هذه آلية عقيمة غير مألوفة في الانظمة السياسية .
و في ضوء ذلك , يمكن ان نستنتج ان نظام الحكم العراقي لا يعد نظامًا نيابيًا و لا نظامًا رئاسيًا , انما يعد نظامًا خاصًا ربما يكون اقرب الى النظام شبه الرئاسي المعتمد في فرنسا .

الملاحظة الثامنة :
برغم ان الدستور نص في ( المادة 65 ) على تشكيل مجلس الاتحاد بوصفه البيت الثاني للسلطة التشريعية , و الذي يمثل الاقاليم و المحافظات غير المنتظمة بإقليم , الا انه لم ينص على آلية تكوينه , و شروط العضوية فيه، و اختصاصاته , و كل ما يتعلق به .
ان عدم النص على كل تلك التفاصيل جاء لأسباب عدة، منها :
1 – السقف الزمني لعملية الانتهاء من الدستور افضى الى التركيز على مجلس النواب و اهمال مجلس الاتحاد .
2 – عدم ادراك القوى السياسية النافذة لأهمية مجلس الاتحاد , ادى الى اهمال مجلس الاتحاد و عدم النص على تفاصيله في الدستور الدائم .
3 – عدم وجود اقاليم في العراق باستثناء اقليم كردستان ادى الى عدم التركيز على مجلس الاتحاد في الدستور الدائم.
و قد ترتب على ذلك , اختلال في بنية السلطة التشريعية و وظيفتها . و ذلك لأن عملهما يعد عملا تكامليًا لا يستطيع احدهما الاستغناء عن الآخر في الانظمة الفدرالية . و ذلك من الزوايا التالية :
1 – اذا كان مجلس النواب يمثل بيت الحرية , فأن مجلس الاتحاد يمثل بيت الحكمة . فعندما تتسم احيانًا التشريعات الصادرة من مجلس النواب بالتسرع أو بالعاطفة أو بالفوضى أو بالميول السياسية , فأن مجلس الاتحاد , بحكم حق الفيتو المناط به , يقوم بالتروي و الحكمة بعقلنة تلك التشريعات او تصحيحها طبقًا للمصلحة العامة .
2 – و اذا كان مجلس النواب يمثل مصالح المواطنين , فأن مجلس الاتحاد يمثل مصالح الاقاليم و المحافظات غير المنتظمة بإقليم .
3 – ان النص على تفاصيل مجلس النواب في الدستور , و احالة تفاصيل مجلس الاتحاد الى القوانين العادية يخل بمبدأ التوازن بين المجلسين , لأن الدستور اسمى مرتبة من القوانين العادية , الامر الذي يجعل مجلس النواب اعلى مرتبة من مجلس الاتحاد . لذلك كان لزامًا النص على تفاصيل المجلسين في الدستور الدائم .

الملاحظة التاسعة :
برغم ان الدستور العراقي الدائم قد ارتكز على قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2005 من حيث المضمون و الصياغة و التوقيتات , بيد انه تخلف عنه في المضامين التالية :
1 – يلاحظ ان ديباجة قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية افضل من ديباجة الدستور الدائم . و ذلك من الزوايا التالية:
أ – ان ديباجة قانون ادارة الدولة تعد جزءًا منه حسب نص ( المادة الاولى فقرة ج ) في حين لا تعد ديباجة الدستور الدائم جزءًا منه . و هذا خلل جوهري لأن الديباجة تحمل عادة فلسفة الدستور الذي تنبثق منها المواد الدستورية الاخرى بما لا يتعارض معها .
ب – نصت ديباجة قانون ادارة الدولة على فلسفة الحرية بوصفها الفلسفة السياسية الحاكمة على مواده . في حين خلت ديباجة الدستور الدائم من أي فلسفة سياسية . انما اكتفت بسرد وقائع تاريخية صرفة .
2 – تمكن قانون ادارة الدولة من معالجة النزاعات المحتملة حول عائدية بغداد و كركوك عندما اخرجهما من دائرة الصراع عندما نص على حق المحافظات خارج اقليم كردستان من تشكيل اقاليم فيما بينها باستثناء بغداد و كركوك ( المادة 53 فقرة ج ) . في حين اعاد الدستور الدائم تلك المناطق الى دائرة الصراع حيث لم يمانع من انضمام كركوك الى اي اقليم يختاره سكانه . و وضع تمييزًا بين بغداد العاصمة و بغداد المحافظة , حيث حظر انضمام بغداد العاصمة الى اي اقليم بوصفها عاصمة الدولة العراقية , لكنه سكت عن خيار بغداد المحافظة . و مما يزيد من حدة هذه الصراعات نص الدستور على حق محافظة أو اكثر على تكوين إقليم واحد ( المادة 119 ) .
3 – اضف الى ذلك , يلاحظ ان مسألة الفصل بين السلطات في قانون ادارة الدولة كانت ارجح مما ورد في الدستور الدائم . حيث ان قانون ادارة الدولة اعطى حق المبادرة التشريعية لأعضاء الجمعية الوطنية الانتقالية و لجانها المختصة عندما ساوى بين مشاريع القوانين المقدمة من السلطة التنفيذية و مقترحات القوانين المقدمة من السلطة التشريعية ( المادة 33 د ) . بينما سلب الدستور الدائم حق المبادرة التشريعية من اعضاء مجلس النواب و لجانه المختصة عندما ميز بين مقترحات القوانين المقدمة من مجلس النواب و التي لا يعتد بها , و مشاريع القوانين المقدمة من السلطة التنفيذية و التي يعتد بها ( المادة 60 ) حسب تفسير المحكمة الاتحادية العليا , برغم ان هذا التفسير ما زال موضع خلاف عميق بين الاوساط القانونية و السياسية .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة