«إيل»ياسر الأعسم.. جنوح المخيلة وقسوة الواقع

مازن المعموري

يتيح الفيلم الذي يقدمه المخرج ياسر الأعسم مساحة لاكتشاف رؤية الجيل الجديد للحياة المعاشة, حيث تابع المخرج نقطة انطلاق سردية مختلفة, تبدأ من وجهة نظر طفل عراقي يلعب في أزقة حيه الشعبي ولكنه في كل مرة ينظر فيها الى المكان يرى صور العنف والحرب حتى في أفلام الكارتون التي تعرضها قنوات التلفاز اليومية, فمن عراك الأطفال إلى صور الحروب والقتال الى واقع الحياة البائسة والفقر المدقع نجد ذات الطفل باحثة عن ملاذ يأوي ضياعه الشخصي وأهله ومجتمعه وأصدقائه وحتى ألعابه, فيهرع هارباً على سكة قطار طويلة ذات بعد رمزي لفكرة السيرورة اللامتناهية للزمان وديمومة الواقع المؤلم, وهنا نكون أمام لحظة نهاية شعرية للمشهد, حيث يرمي الطفل بتفاحة خضراء الى الأعلى باتجاه السماء في محاولة لاستعادة الأسطورة الأولى, وتمثيل فكرة العود الأبدي النيتشوية.
ان التفكير من خلال الصورة هو من المثاليات القديمة التي تم توجيهها في أغلب الأحيان ضد شكل من أشكال طغيان اللغة التي تعجز عن نقل مظاهر أساسية من التجربة المعيشة لأنها مكرسة للمفهمة (conceptualiser ) والتصنيف كما يشير إلى ذلك جاك أومون, بمعنى إن هناك ثمة نمط تفكير آني يقود اللقطة لتحديد معنى الرسالة المقدمة إلى المواطن الاعتيادي, بصفته المستقبِل لها, وبالتالي فهي الملفوظ الصوري لها, فالبصر يعرف بأنه ذو طابع تفكيري أكثر من غيره, بما يشكل نسقاً لدى المخرج ياسر الأعسم لمتابعة الحدث عبر مخيال الواقع وليس الواقع, بمعنى انه يعيد إنتاج تصوراته حول الحدث كما يبدو له أولاً ومن ثم فان أي زمن يمرّ يكون قد وجه لنا سرداً مكثفاً عبر ثوان معدودات وبشكل سريع في أول الأمر ثم يصدمنا في نهاية الأمر بقرار طفل يريد أن يقول شيئاً عبر الحركة والرمز المتمثل بالتفاحة.
عمل ياسر الأعسم في فلمه ( إيل) على توثيق مرحلة تاريخية للمكان العراقي والأزمة الوجودية التي يعيشها بصفته الأيقونة الحضارية لمنطقة الشرق الأوسط, حيث الانسان مسلوباً بكل تفاصيله, وهو ما حفزه على تجاوز أسلوب التوثيق المباشر إلى اداء ذو فعالية فنية متعالية قادت الفلم الى منطقة أكثر حرية في التأويل والتلقي, كما منح الفرصة لإعادة اكتشاف المكان على وفق خطاب الفلم, العمل على ذوتنة الفكرة واستدعاء ذاكرة تنطوي على امتداد عميق في جسد الحاضر الآني بما هو إدراك كلي للمخرج قدمته لنا حركة الكاميرا لديه.
إن ما يقدمه الفلم من سرد مكثف, يشكل تلميحات عن القضية المعروضة, لأن كل ما يحدث تختزله التفاحة التي رماها الطفل بوجه السماء, وكأنه يريد ان يقول لنا ان الخلاص يكمن في رجوع الاسطورة الى مكانها السماوي فيما نعيش نحن هنا على الارض بطريقتنا الخاصة, كما لو انه أراد من الفلم أن يصل بنا الى معنى محدد لرسالة انسانية تعاني من أزمة في ظل العنف والابادة والفقر, وبالتالي فان الفلم هنا يبني لنا قصة ذهنية في عقل المتفرج وليس الفلم ذاته من خلال حركة الصورة الفلمية التي تتوزع المكان الضيق للشارع والبيت وترميزات العناصر الضاغطة على الواقع مثل التلفاز ومرموزات العنف والقتل وصور الحرب والانفجارات وغيرها, في حين يكون الطفل قد مارس دور الضمير الجمعي ( النحن) لتكريس عطل الإرادة لدى المجتمع العراقي لفقدانه القدرة على فهم ما يجري أصلاً.
لقد ركز الفلم على مؤثرات الصورة واستغنى عن الحوار واللغة التداولية لأنها أكثر انسياباً في التوصيل وترتيب السرد وتقديم الايحاء بالحدث, انها تستطيع أن تدلنا على المستور من الصورة السينمائية لإحداث فعل الدهشة نتيجة كل ما يحدث من عنف في العالم, كما لو انه اراد أن يحرك فينا الوعي من خلال الكاميرا التي اندست في أشياء الزمن المتحرك عبر أحداث متسارعة نوعا ما, بسبب قصر الفلم أولاً, وتكثيف الرسالة بشكل رمزي ثانياً, فالفلم هو من يقود السرد الى نهاية غير متوقعة تبدو للوهلة الأولى خاضعة للتأويل أو الرفض أحياناً, لكنها ضرورية بالنسبة الى المتلقي محملاً بخيارات النهاية المفتوحة.
يمكنني هنا ان أشير إلى مقولة جيل ديلوز ( تروي السينما دائماً ما تمكنه لها حركات وأزمان الصورة)، فالصورة التي يحكمها ياسر الأعسم تسجل تراكماً زمنياً داخلياً لذاكرة مكتظة بالأحداث التي تبدأ بالتزاحم في عقل الرائي (الطفل) وتنتقل من الشاشة الى ذاكرة المشاهد ليستطيل الزمن من ثواني الى سنوات من عمر الحروب العراقية, وفيها يبقى الانسان مجرد آلة لاستلاب متعب وثقيل, انه جوهر الواقع ومعنى الأزمة القديمة المستمرة من بدايات الخلق وحتى الآن, ولكن إلى أين المفر بعد كل ذلك ؟ وأعتقد ان مشاهدة الفلم تغطي كل ما يمكن أن نقوله عنه, لتكون هذه الكلمة بداية مشروع فني لظهور مخرج سينمائي متميز ستتذكرونه في الأيام المقبلة, انه ياسر الأعسم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة